ماهية النفس ومراتب الكمال عند الإمام الغزالي

 

رحلة التزكية: ماهية النفس ومراتب الكمال عند الإمام الغزالي

يمثل فهم النفس البشرية حجر الزاوية في المشروع الفكري والتربوي للإمام أبي حامد الغزالي. لم يتعامل الغزالي مع النفس ككيان غامض، بل حللها كجوهور معقد يتوسط بين عالم الشهادة المادي وعالم الملكوت الروحاني. إن استجلاء حقيقة النفس عند الغزالي يتطلب منا الغوص في مؤلفاته، لا سيما "إحياء علوم الدين" و"معارج القدس في مدارج معرفة النفس"، لاستخلاص معالم الطريق نحو الكمال الإنساني.

أولا: الماهية الجوهرية للنفس

يضع الغزالي حجر الأساس لفهم النفس بوصفها "الكمال الأول لجسم طبيعي آلي"، وهي صياغة دقيقة تستمد أصولها من التراث الفلسفي اليوناني الذي طوعه الغزالي ليتسق مع الرؤية الإسلامية. تعني هذه العبارة أن النفس هي المحرك، والمدبر، والمنظم لهذا الهيكل المادي.

ويرى الغزالي أن هذه النفس تتميز بجهتين أساسيتين:

  1. جهة الفعل: وهي القدرة الصادرة عن الاختيار العقلي والاستنباط بالرأي، التي تمكن الإنسان من التأثير في واقعه.

  2. جهة الإدراك: وهي القدرة على إدراك الأمور الكلية والمجردة التي تتجاوز حدود الحواس الخمس.

ثانيا: الثنائية المفهومية للنفس

يقسم الغزالي معنى النفس إلى مستويين متمايزين لغايات تربوية وسلوكية:

  • النفس بوصفها مجالا للصراع (النفس الأمارة): هي المعنى الجامع لقوتي الغضب والشهوة. هذا المستوى هو المنبع لكل الصفات المذمومة التي تورد الإنسان موارد الهلاك إذا تركت دون تهذيب. ولذلك كان جهادها وكسر حدتها ضرورة شرعية، استجابة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك".نسبتها: تُروى كأثر عن النبي ﷺ (وإن كان علماء الحديث يصنفونها كحديث ضعيف أو موقوف على الصحابي ابن عباس)، وقد اشتهرت على ألسنة الصالحين والحكماء كالحسن البصري وأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-

  • النفس بوصفها لطيفة ربانية: وهي "اللطيفة" التي تمثل حقيقة الإنسان وذاته الجوهرية. هي الجزء المتعالي الذي يفتقر إليه عالم الحيوان، وهي التي تتبدل أحوالها بين الأمارة، واللوامة، والمطمئنة. يؤكد الغزالي أن هذه النفس هي خاصية إنسانية محضة، فلو أودعت في البهيمة لصارت عاقلة مكلفة ومسؤولة أمام الخالق.

ثالثا: النفس والروح والنفخة الإلهية

في مواضع عميقة من مؤلفاته، يمزج الغزالي بين مفهومي النفس والروح. يستشهد الغزالي بقوله تعالى في سورة ص: "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين". يرى الغزالي في هذه الآية دليلا قاطعا على أن النفخة الإلهية هي سر التشريف الإنساني ومنبع النطق والعقل. هذا الجانب الروحاني هو الذي يمنح النفس قدرتها على الترقي والاتصال بعالم الأنوار.

رابعا: مراتب كمال النفس عند الغزالي

يرى الغزالي أن كمال النفس ليس حالة ساكنة، بل هو عملية ارتقاء مستمرة تمر بمراتب، يمكن إجمالها في الآتي:

  1. مرحلة التطهير: البدء بتخليص النفس من الرذائل والأخلاق الذميمة، وهي عملية تصفية للقلب من شوائب الشهوات والغضب.

  2. مرحلة التحلية: ملء النفس بالفضائل والأخلاق المحمودة، والالتزام بآداب الشريعة ظاهرا وباطنا.

  3. مرحلة المعرفة: ارتقاء النفس إلى مراتب اليقين من خلال التفكر في ملكوت السماوات والأرض، وهو ما يسميه الغزالي "معرفة الله وأسرار ملكوته".

  4. مرحلة الاطمئنان: وهي الذروة، حيث تستقر النفس وتتخلص من حظوظها الفانية، لتصبح مطمئنة بذكر الله، راضية بقضائه، مستعدة للقاء ربها.

خاتمة: المسؤولية الأخلاقية والوجودية

يخلص الإمام الغزالي إلى أن معرفة النفس ليست مجرد ترف فكري، بل هي شرط أساسي للخلاص الأخروي ونجاح الحياة الدنيوية. الإنسان، في نظر الغزالي، هو كائن مكلف بعبادة التزكية؛ أي تزكية هذه النفس من أوضارها لتعود إلى أصلها النوراني. إن كمال النفس يتحقق حينما تصبح العقل والروح هما القائد والمدبر، بينما تذعن قوى الشهوة والغضب لحكم العقل المستنير بنور الشريعة.

الرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِي ذِكْرِ الصَّلَوَاتِ

الرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِي ذِكْرِ الصَّلَوَاتِ 



بِصِرَاحَةٍ، لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ الْكَلَامَ عَنْ هَذَا الْمَوْضُوعِ أَوِ الْهُجُومَ عَلَى أَحَدٍ، وَلَكِن فِي قَلْبِي غَيْرَةٌ عَلَى دِينِي، وَهَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَنِي أَسْتَعْمِلُ مَا آتَانِي اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ الْقَلِيلِ فِي عِلْمِ الأَرْقَامِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَجْعَلُنَا سَبَبًا فِي هِدَايَةِ شَخْصٍ مَا إِلَى الصَّلَاةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، وَأَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

إِنَّ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فَهُوَ إِمَّا جَاهِلٌ بِبُنْيَانِهِ الْإِعْجَازِيِّ أَوْ مُتَعَمِّدٌ تَجَاهُلَ حَقَائِقَ أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ بِذَلِكَ يَرْتَكِبُ جَهْلًا جَلِيًّا لَا يُمْكِنُ تَبْرِيرُهُ.

﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾[البقرة: 23]

﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[الإسراء: 88]

الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، بَلْ هُوَ نِظَامٌ دَقِيقٌ مُحْكَمٌ، فِيهِ تَنَاغُمٌ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ وَالأَرْقَامِ.

وَمِنْ خِلَالِ دِرَاسَةٍ إِحْصَائِيَّةٍ دَقِيقَةٍ، نَصِلُ إِلَى حَقَائِقَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ صُدْفَةً أَوْ اجْتِهَادًا شَخْصِيًّا:
عِنْدَ فَحْصِ سُورِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، نَجِدُ أَنَّ هُنَاكَ خَمْسَ سُورٍ تَحْقِقُ الْمُعَادَلَةَ:

ترتيب السورة + عدد آياتها = 114

وَهَذِهِ السُّورُ الْخَمْسُ هِيَ:

الحِجْرُ: 15 + 99 = 114

الزُّمَرُ: 39 + 75 = 114

المَعَارِجُ: 70 + 44 = 114

الغَاشِيَةُ: 88 + 26 = 114

المَاعُونُ: 107 + 7 = 114
مَجْمُوعُ أَرْقَامِ تَرْتِيبِ هَذِهِ السُّورِ:
15 + 39 + 70 + 88 + 107 = 319

وَمَجْمُوعُ عَدَدِ آيَاتِهَا:
99 + 75 + 44 + 26 + 7 = 251

. الْقِسْمَةُ وَبَقَايَاها وَتَفْسِيرُهَا
عِنْدَ قِسْمَةِ هَذِهِ الأَعْدَادِ عَلَى 114 (عَدَدُ سُورِ الْقُرْآنِ):

  • 319 ÷ 114 = 2 والباقي 91

  • 251 ÷ 114 = 2 والباقي 23

وَهُنا، هَذَا الْبَاقِي مُهِمٌّ جِدًّا:

  • الرَّقْم 91 هُوَ رَقْمُ سُورَةِ الشَّمْسِ، 

  • الرَّقْم 23 هُوَ رَقْمُ سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ
    هَذَا الرَّبْطُ الْعَدَدِيُّ بَيْنَ سُورِ الْمُصْحَفِ لَيْسَ صُدْفَةً ، بَلْ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى ارْتِبَاطِ الصَّلَاةِ بِخُشُوعِهَا وَزَكَاةِ النَّفْسِ وَنَجَاحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ مُكَرَّرَةٌ وَمُتَجَدِّدَةٌ دَاخِلَ بِنْيَةِ الْقُرْآنِ نَفْسِهِ.

إنَّ الصَّلَاةَ في سورةِ المؤمنون هي علامةُ الخُشُوعِ، وهي مِفتاحُ فَلاحِ المُؤْمِنِينَ، كما يقولُ اللهُ تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾[ المؤمنون: 1] ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾[ سورة المؤمنون: 2]
وفي سورةِ الشمس، النَّجَاحُ الحَقِيقِيُّ مَرْهونٌ بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾[ سورة الشمس: 9]﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾[ سورة الشمس: 10]

من هنا، يَتَّضِحُ أنَّ القُرْآنَ يَدْعُو إلى الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ بلا لَبْسٍ أو غُمُوضٍ، ليس فقط من خلال النَّصِّ الصَّرِيحِ، بل أيضًا عبر التَّكْوِينِ العَدَدِيِّ الدَّقِيقِ لِبُنْيَتِهِ.

مَنْ يَدَّعِي أَنَّ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ لَمْ تُذْكَرْ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، أَوِ اعْتَبَرَهَا مُجَرَّدَ اجْتِهَادَاتٍ بَشَرِيَّةٍ، فَعَلَيْهِ تَدَبُّرُ هَذِهِ الحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ:

  • حِفْظُ النَّصِّ القُرْآنِيِّ: إِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّحْرِيفِ، وَهَذَا الحِفْظُ يَشْمَلُ تَرْقِيمَ السُّوَرِ وَآيَاتِهَا، وَهِيَ مَعْلُومَةٌ مُثْبَتَةٌ عِلْمِيًّا وَأَثَرِيًّا.

  • أَصَالَةُ الرَّبْطِ العَدَدِيِّ: التَّحْلِيلُ العَدَدِيُّ المُقَدَّمُ قَائِمٌ عَلَى الأَرْقَامِ الحَقِيقِيَّةِ الثَّابِتَةِ فِي المُصْحَفِ العُثْمَانِيِّ المُتَوَاتِرِ، وَلَيْسَ عَلَى تَأْوِيلَاتٍ عَشْوَائِيَّةٍ أَوِ انْتِقَاءِ أَرْقَامٍ مَخْصُوصَةٍ.

  • دَلَالَةُ النَّصِّ القُرْآنِيِّ: الصَّلَاةُ وَرَدَتْ بِصِيَغٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَفِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ القُرْآنِ، كَمَا أَنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ أَرْقَامِ السُّوَرِ وَعَدَدِ آيَاتِهَا يُؤَكِّدُ بِشَكْلٍ ضِمْنِيٍّ وَوَاضِحٍ عَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ كَفَرْضٍ لَا مَحِيدَ عَنْهُ.

  • جَهْلُ المُنْكِرِينَ: مُحَاوَلَاتُ الطَّعْنِ هَذِهِ تَعْكِسُ جَهْلًا بِدِقَّةِ المُصْحَفِ وَتَارِيخِهِ وَبِدِيهِيَّاتِ النَّصِّ القُرْآنِيِّ الَّذِي يَدْعُو لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ كَرَكْنٍ أَسَاسِيٍّ فِي الدِّينِ.

ضَرُورَةُ التَّوَازُنِ فِي التَّفْسِيرِ العَدَدِيِّ

مَعَ قُوَّةِ هَذِهِ الدَّلَائِلِ العَدَدِيَّةِ، يَجِبُ التَّحَفُّظُ وَالابْتِعَادُ عَنِ الغُلُوِّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الظَّوَاهِرِ:

لَا يَنْبَغِي جَعْلُ الأَدِلَّةِ العَدَدِيَّةِ وَحْدَهَا سَبَبًا مُنْفَرِدًا لِإِثْبَاتِ أُمُورِ العَقِيدَةِ، بَلْ هِيَ دَعْمٌ تَكْمِيلِيٌّ لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ الصَّرِيحَةِ.

الهَدَفُ الرَّئِيسِيُّ هُوَ تَعْزِيزُ اليَقِينِ فِي إِتْقَانِ النَّصِّ القُرْآنِيِّ وَبُنْيَانِهِ، وَلَيْسَ خَلْقَ أَدِلَّةٍ جَدِيدَةٍ تَتَجَاوَزُ أَصْلَ النَّصِّ.

حِسَابُ عَدَدِ الركَعَاتِ وَالسُّجُودَاتِ فِي الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ

الصَّلَاةُ فِي الإِسْلَامِ هِيَ فَرْضٌ يَوْمِيٌّ يَتَكَرَّرُ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَتَتَوَزَّعُ أَرْكَانُهَا كَالْتَّالِي:

  • مَجْمُوعُ الرُّكَعَاتِ اليَوْمِيِّ:

    • الفَجْرُ: 2

    • الظُّهْرُ: 4

    • العَصْرُ: 4

    • المَغْرِبُ: 3

    • العِشَاءُ: 4

    • الإِجْمَالِيُّ: 2 + 4 + 4 + 3 + 4 = 17 ركْعَةً.

  • عَدَدُ الرُّكُوعِ: بِمَا أَنَّ فِي كُلِّ ركْعَةٍ رُكُوعٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ عَدَدَ الرُّكُوعِ اليَوْمِيِّ هُوَ 17 رُكُوعًا.

  • عَدَدُ السُّجُودَاتِ: بِمَا أَنَّ فِي كُلِّ رُكْعَةٍ سَجْدَتَانِ، فَإِنَّ عَدَدَ السُّجُودَاتِ اليَوْمِيِّ هُوَ 17 ظرب 2 = 34 سَجْدَةً.

الرَّبْطُ العَدَدِيُّ مَعَ سُورَةِ القَلَمِ (68)

بِالنَّظَرِ إِلَى عَدَدِ السُّجُودَاتِ اليَوْمِيَّةِ (34)، نَقُومُ بِمُضَاعَفَتِهَا لِلْحُصُولِ عَلَى 34 ظرب 2 = 68 هَذِهِ المُضَاعَفَةُ لَمْ تَكُنْ عَشْوَائِيَّةً، بَلْ هِيَ مُحَاوَلَةٌ لِاكْتِشَافِ نَمَطٍ عَدَدِيٍّ يُمْكِنُ أَنْ يَحْمِلَ دَلَالَةً فِي تَرْكِيبَةِ القُرْآنِ.

  • العَلَاقَةُ المُعْجِزَةُ: الرَّقْمُ 68 يُطَابِقُ رَقْمَ سُورَةِ القَلَمِ فِي تَرْتِيبِ سُوَرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، مِمَّا يَفْتَحُ المَجَالَ لِلتَّأَمُّلِ فِي العَلَاقَةِ العَمِيقَةِ بَيْنَ فَرْضِ السُّجُودِ اليَوْمِيِّ وَمُحْتَوَى هَذِهِ السُّورَةِ.

تَحْلِيلُ آيَاتِ سُورَةِ القَلَمِ (68)

سُورَةُ القَلَمِ تُقَدِّمُ نَصًّا قَوِيًّا يَتَعَلَّقُ بِالسُّجُودِ:

  • الآيَةُ 42:
    ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴾
    تَصِفُ هَذِهِ الآيَةُ مَشْهَدَ يَوْمِ القِيَامَةِ، حَيْثُ يُطْلَبُ مِنَ النَّاسِ السُّجُودُ لِلَّهِ، لَكِنَّ الَّذِينَ أَهْمَلُوا هَذِهِ العِبَادَةَ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ يَعْجِزُونَ عَنِ السُّجُودِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ.

  • دَلَالَةُ الرَّقْمِ 5 فِي الآيَةِ 41:
    الآيَةُ رَقْمُ 41 الَّتِي تَسْبِقُ آيَةَ السُّجُودِ فِي القِيَامَةِ يُمْكِنُ تَأَمُّلُهَا مِنْ خِلَالِ جَمْعِ أَرْقَامِهَا: 4 + 1 = 5.  

  • الرَّقْمُ 5 هُوَ عَدَدُ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ فِي اليَوْمِ، وَهُوَ رَمْزٌ أَسَاسِيٌّ فِي العِبَادَةِ.
    إِذَنْ، الآيَةُ الَّتِي تَبْدَأُ بِالإِشَارَةِ لِلسُّجُودِ فِي الآخِرَةِ (الآيَةُ 41) تَحْمِلُ فِي رَقْمِهَا إِشَارَةً عَدَدِيَّةً إِلَى عَدَدِ الصَّلَوَاتِ اليَوْمِيَّةِ (5)، مِمَّا يُؤَكِّدُ ضَرُورَةَ المُواظَبَةِ عَلَيْهَا.

هَذَا التَّرَابُطُ الدَّقِيقُ يُعَزِّزُ الإِعْجَازَ العَدَدِيَّ فِي القُرْآنِ وَيُبَرْهِنُ عَلَى عُمْقِ تَنْظِيمِ العِبَادَاتِ وَالرَّسَائِلِ الإِلَهِيَّةِ. الصَّلَاةُ وَالسُّجُودُ لَيْسَتَا مُجَرَّدَ أَفْعَالٍ شَكْلِيَّةٍ، بَلْ نِظَامٌ مُتَكَامِلٌ يَعْكِسُ العَلَاقَةَ الحَقِيقِيَّةَ بَيْنَ الخَالِقِ وَمَخْلُوقِهِ، وَتَرْكُهَا يُؤَدِّي إِلَى الذُّلِّ فِي يَوْمِ الحِسَابِ كَمَا وَرَدَ فِي سُورَةِ القَلَمِ.


لِمَاذَا "لَا تَسْتَقِيمُ"؟

  لِمَاذَا "لَا تَسْتَقِيمُ"؟



إِنَّ أُصُولَ اَلْإِسْلَامِ قَوَاعِدُ رَاسِخَةٌ لَا مِرَاءَ فِيهَا؛ فَـعَنْ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ يَقُولُ: «بُنِيَ اَلْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ اَللَّهِ، وَإِقَامِ اَلصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ اَلْزَّكَاةِ، وَاَلْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».


إِنَّ هَذِهِ اَلْأَرْكَانَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ شَاهِدٍ بِـأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَللَّهِ. وَاَلْشَّهَادَتَانِ هُمَا مِفْتَاحُ اَلْمِلَّةِ وَمَنْطَلَقُ اَلْيَقِينِ، وَهُمَا تَلَازُمٌ بَيْنَ اَلْقَوْلِ وَاَلْعَمَلِ وَاَلْقَلْبِ. كَمَا أَنَّ اَلصَّلَاةَ عَمُودُ اَلدِّينِ، وَاَلْزَّكَاةَ طُهْرَةٌ لِـلْنُّفُوسِ مِنْ بَخْلِ اَلْمَالِ، وَاَلْحَجَّ فَرْضٌ عَلَى اَلْمُسْتَطِيعِ، وَصِيَامَ رَمَضَانَ مَوْسِمٌ عَظِيمٌ لِـلْتَّقْوَى وَاَلْمُجَاهَدَةِ.

وَلَكِنْ، أَيْنَ يَقَعُ اَلْخَلَلُ؟


اَلْخَلَلُ لَيْسَ فِي اَلِاعْتِقَادِ بِـوُجُوبِ هَذِهِ اَلْفَرَائِضِ، بَلْ فِي اَلْقُدْرَةِ عَلَى اَلِاسْتِقَامَةِ اَلْفِعْلِيَّةِ عَلَيْهَا. اَلْمُشْكِلَةُ تَنْبُعُ مِنْ مُحَارَبَةِ اَلْنَّفْسِ اَلْأَمَّارَةِ وَتَغَلْغُلِ وَسْوَسَةِ اَلْشَّيْطَانِ.


فَـاَلَّذِي يَتَكَاسَلُ عَنِ اَلصَّلَاةِ، لَا يُنْكِرُ فَرْضِيَّتَهَا، بَلْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ.


وَكَذَلِكَ مَنِ اِمْتَنَعَ عَنْ إِيتَاءِ اَلْزَّكَاةِ، فَـلَيْسَ اَلْخَلَلُ فِي عَقِيدَتِهِ بِـوُجُوبِهَا، بَلْ فِي سَيْطَرَةِ حُبِّ اَلْمَالِ اَلَّذِي هُوَ أَكْبَرُ فِتْنَةٍ فِي عَصْرِنَا اَلْحَالِيِّ.


وَكَذَلِكَ اَلْحَجُّ، فَـاَلنَّفْسُ وَهَوَى اَلْمَتَاعِ اَلدُّنْيَوِيِّ قَدْ يُنْسِيَانِ اَلْمُسْتَطِيعَ فَرِيضَةً وَاجِبَةً.


إِنَّ اَلْأَمْرَ يَتَعَدَّى اَلْتَّقْصِيرَ فِي اَلْفُرُوضِ اَلْعِبَادِيَّةِ؛ فَنَحْنُ نَرَى جِيلاً مِنَ اَلْشَّبَابِ يَجْتَهِدُ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَرْجِعُ لِـعَادَاتِهِ اَلْقَدِيمَةِ بَعْدَ اِنْقِضَائِهِ. وَاَلْطَّامَّةُ اَلْكُبْرَى أَنَّ اَلنَّفْسَ اَلْغَيْرَ مُزَكَّاةٍ سَتَقُودُ حَتْمَاً إِلَى اَلْمَظَالِمِ اَلِاجْتِمَاعِيَّةِ: كَـظُلْمِ اَلْإِخْوَةِ، أَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِـاَلْبَاطِلِ، وَاَلْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِهِمْ بِـاَلْغِيبَةِ وَاَلْنَّمِيمَةِ.


وَلَا نَنْسَ أَنَّ اَلْعَلَاقَةَ بَيْنَ اَلْعَبْدِ وَاَلْعَبْدِ تَتَجَاوَزُ اَلْعَلَاقَةَ بَيْنَ اَلْعَبْدِ وَرَبِّهِ فِي حَالِ اَلْمَظَالِمِ. فَـلَنْ تَنْفَعَكَ صَلَاتُكَ وَصِيَامُكَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ دُونَ رَدِّ اَلْمَظْلَمَةِ لِـأَخِيكَ اَلْمُسْلِمِ، حَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِكَ لِـيُوَازِنَ اَلْمِيزَانَ.


إِنَّ كِتَابَ "لَا تَسْتَقِيمُ" لَمْ يُؤَلَّفْ لِـيَدْعُوَ لِـاَلْتَّهَاوُنِ فِي اَلْفُرُوضِ حَاشَا لِـلَّهِ أَنْ نَقُولَ ذَلِكَ  فَـاَلْفَرْضُ وَاجِبٌ لَا سَقَاطَ فِيهِ. بَلْ كُتِبَ لِـيُشَدِّدَ عَلَى أَنَّ اَلْجِهَادَ اَلْأَكْبَرَ هُوَ اَلْمِيزَانُ لِـكُلِّ تِلْكَ اَلْفَرَائِضِ؛ لِـكَيْ تَسْتَقِيمَ فِي فُرُوضِكَ وَفِي مُعَامَلَاتِكَ مَعَ اَلْنَّاسِ، عَلَيْكَ مُجَاهَدَةُ نَفْسِكَ وَتَزْكِيَتُهَا وَتَرْوِيضُهَا.


إِنَّ سَبَبَ اَلْمَشَاكِلِ اَلْنَّفْسِيَّةِ وَاَلِاجْتِمَاعِيَّةِ اَلْمُعَاصِرَةِ (كَـاَلِاكْتِئَابِ وَاَلْقَلَقِ) يَعُودُ لِـهَذَا اَلْفَشَلِ فِي اَلْمُجَاهَدَةِ، وَاَلِانْصِيَاعِ لِـفِتْنَتَيْ اَلْعَصْرِ: اَلْتِّكْنُولُوجِيَا وَاَلْمَالِ. لِذَلِكَ، اَلْهَدَفُ هُوَ ضَبْطُ اَلْنَّفْسِ عَنِ اَلْهَوَى وَعِلَاجُ اَلْمُشْكِلَاتِ اَلْنَّفْسِيَّةِ لِـإِيجَادِ إِنْسَانٍ مُنْتِجٍ يَعِيشُ حَيَاةً سَعِيدَةً وَوَسَطِيَّةً. فَلْيَحْذَرْ اَلْقَارِئُ ثُمَّ لْيَحْذَرْ مِنْ نَفْسِهِ اَلْأَمَّارَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.

يَرْوِي الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ سَعِيدُ الكَمَلِيُّ قِصَّةَ إِمَامٍ لِمَسْجِدٍ فِي إِحْدَى البُلْدَانِ الغَرْبِيَّةِ تَلَقَّى رِسَالَةً مِنْ اِمْرَأَةٍ يَهوُدِيَّةٍ تَتَضَمَّنُ سُؤَالاً مُحَيِّراً يَدعُو إِلَى التَّأَمُّلِ والنَّظَرِ فِي حَالِ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ.

خُلَاصَةُ الرِّسَالَةِ:

تَقُولُ المَرْأَةُ اليَهُودِيَّةُ فِي رِسَالَتِهَا:

  1. شَهَادَةٌ مِنَ السِّيرَةِ: لَقَدْ قَرَأْتُ فِي كُتُبِكُمْ، وَخَاصَّةً السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ، أَنَّ رَسُولَكُمْ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَاهَدُ جَاراً لَهُ يَهُودِيّاً، وَلَمَّا مَرِضَ هَذَا الجَارُ زَارَهُ النَّبِيُّ الكَرِيمُ ودَعَاهُ إِلَى الإِسْلامِ، فَأَسْلَمَ.

  2. مَنْطِقُ الإيمَانِ: ذَلِكَ اليَهُودِيُّ أَسْلَمَ لأَنَّهُ رَأَى مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَامُلاً ظَاهِراً يَدُلُّ عَلَى عِصْمَةِ النُّبُوَّةِ وعَلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ حَقٌّ.

  3. سُؤَالُ الحَيْرَةِ: أمَّا نَحْنُ، فَلَمْ نَرَ مِنْكُمْ شَيْئاً يَدعُونَا إِلَى الإِسْلامِ! بَلْ عَلَى العَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، نَرَاكُمْ تُكَفِّرُونَ بَعْضَكُمْ بَعْضًا، وتَقْتُلُونَ بَعْضَكُمْ بَعْضًا، الوَاحِدُ مِنْكُمْ يَقُولُ لِأَخِيهِ: "أَنْتَ كَافِرٌ"، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الأَخَ يَقُولُ: "أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ".

مَوْقِفُ الإمَامِ:

لَمْ يَجِدِ الإِمَامُ كَلِمَةً يَرُدُّ بِهَا عَلَى المَرْأَةِ، وَاسْتَوْقَفَهُ سُؤَالُهَا كَثِيراً، حَيْثُ جَعَلَهُ يَتَسَاءَلُ عَنْ مَوْقِعِ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَيْنَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِأَخْلاقِ الإِسْلامِ فِي حَالِنَا المُجْتَمَعِيِّ، مِمَّا يَدْعُو غَيْرَ المُسْلِمِينَ إِلَى الاِقْتِنَاعِ والهُدَى.

إِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تَقِفُ لَنَا عِبْرَةً عَظِيمَةً فِي مَنْهَجِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ. فَالإِسْلامُ لَيْسَ مُجَرَّدَ نُصُوصٍ وَأَحْكَامٍ تُتْلَى، بَلْ هُوَ سُلُوكٌ وَأَخْلاقٌ تَتَجَسَّدُ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ.

تُؤَكِّدُ القِصَّةُ عَلَى النِّقَاطِ المِحْوَرِيَّةِ التَّالِيَةِ:

  1. قُوَّةُ النَّمُوذَجِ العَمَلِيِّ: لَقَدْ كَانَ خُلُقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الدَّاعِيَةَ الأَوَّلَ، وَهُوَ الحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ. فَالنَّاسُ لَا يُؤْمِنُونَ بِمَا نَقُولُ، بَلْ بِمَا نَفْعَلُهُ وَنُظْهِرُهُ مِنْ حُلُوِّ الأَخْلاقِ.

  2. خَطَرُ الصِّرَاعِ الدَّاخِلِيِّ: إِنَّ تَكْفِيرَ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ وَالاِخْتِلافَ المُفْضِيَ إِلَى العُنْفِ، يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَيُصْبِحُ الدِّينُ فِي نَظَرِهِم سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ والقَتْلِ، بَدَلاً مِنْ أَنْ يَكُونَ مَصْدَراً لِلرَّحْمَةِ والسَّلامِ.

  3. إِظْهَارُ رَحْمَةِ الإِسْلامِ: عَلَيْنَا أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ عَيْنَ الآخَرِ تَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَأَنَّنَا مِرْآةٌ لِدِينِنَا. فَوَاجِبُنَا أَنْ نُعَامِلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، مُسْلِمِينَ وَغَيْرَ مُسْلِمِينَ، بِالحُسْنَى، كَيْ يَرَوْا فِي تَعَامُلِنَا دَلِيلاً عَلَى حَقِيقَةِ مَا نَدْعُو إِلَيْهِ.

لَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَارٌ يَهُودِيٌّ، وَوَصَّى الإِسْلامُ بِحُسْنِ مُعَامَلَةِ الجَارِ مُطْلَقًا دُونَ التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ الدِّينِ. وَإِلَيْكَ بَعْضُ المَصَادِرِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ:

أَوَّلاً: قِصَّةُ عِيَادَةِ الجَارِ اليَهُودِيِّ

  • وَرَدَتْ قِصَّةُ عِيَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَارِهِ اليَهُودِيِّ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ وَالسِّيرَةِ، حَيْثُ زَارَهُ مَرِيضًا وَدَعَاهُ إِلَى الإِسْلامِ فَأَسْلَمَ. رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ فِي "عَمَلِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" وَغَيْرُهُ عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه.

    • (مَعَ العِلْمِ أَنَّ الأَسَانِيدَ الوَارِدَةَ فِي هَذِهِ القِصَّةِ ضَعِيفَةٌ، كَمَا أَشَارَتْ بَعْضُ مَرَاجِعِ التَّدْقِيقِ الحَدِيثِيِّ، إِلَّا أَنَّ القَصْدَ مِنْهَا جَائِزٌ لِلْعِبْرَةِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وَحُكْمُ عِيَادَةِ المَرِيضِ الكِتَابِيِّ جَائِزٌ ومُسْتَحَبٌّ لِلدَّعْوَةِ).

    • (أَمَّا القِصَّةُ المَشْهُورَةُ عَنْ جَارٍ كَانَ يُلْقِي القَاذُورَاتِ أَمَامَ بَابِهِ ثُمَّ زَارَهُ النَّبِيُّ، فَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ وَلَمْ تَرِدْ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ أَوِ السِّيرَةِ، وَإِنَّمَا تُورَدُ لِضَرْبِ المَثَلِ فِي التَّسَامُحِ).

ثَانِيًا: الوَصِيَّةُ بِالجَارِ مُطْلَقًا

الأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ فِي حَقِّ الجَارِ:

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

  • هَذِهِ الوَصِيَّةُ لَمْ تُقَيَّدْ بِالإِسْلامِ، وَقَدْ خَصَّصَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ "الأَدَبِ المُفْرَدِ" بَاباً بِعُنْوَانِ: "بَابُ الجَارِ اليَهُودِيِّ".

تَطْبِيقُ الصَّحَابَةِ:

  • كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا إِذَا ذَبَحَ شَاةً، يَقُولُ لِأَهْلِهِ: "أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وأَبُو دَاوُدَ). هَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى شُمُولِ حَقِّ الجِوَارِ لِأَهْلِ الكِتَابِ.

رِسَالَةٌ خِتَامِيَّةٌ: وَبِـاَلْوَسَطِيَّةِ اِعْتَصِمُوا... صُنْعُ اَلْوَهْمِ وَمِحْنَةُ اَلْيَقِينِ

لَا تَغْفَلَنَّ فَزَمْنُ الْوَهْمِ قَدْ سَادَا                  وَالْحَقُّ يُصْنَعُ بِالْأَدْوَاتِ وَانْقَادَا

فَاحْفَظْ فُؤَادَكَ مِنْ نَقْلٍ بِلَا سَنَدٍ                  وَلَا تَحْكُمْ بِمَا الزَّيْفُ قَدْ أَشَادَا

عَرَفْتَ فِيهِ صِرَاطَ الْوُسْطِ مُعْتَصِماً             فَلَا تَقْتُلْهُ بِجَدْلٍ قَدْ تَشَدَّدَا

تَزْكِيَةُ النَّفْسِ خَيْرٌ مِنْ تَحَزُّبِنَا                  فَالْمَرْءُ آتٍ إِلَى الرَّحْمَنِ مُنْفَرِدَا

إِيَّاكُمْ وُلَاةَ التَّكْفِيرِ فِي عَجَلٍ                    إِنَّ الْحُكُْمَ لِرَبِّ الْخَلْقِ قَدْ حُدِّدَا

لَا تَرْمِ مُسْلِماً بِالْفِسْقِ فِي غَلَطٍ                 فَقَاعِدَةُ الْحِذَارِ الْعِلْمُ قَدْ سَنَّدَا

ارْحَمْ فُؤَادَ فَتًى يَبْغِي سَبِيلَ هُدًى               فَمَشْهَدُ الْخُلْفِ لِلْإِلْحَادِ قَدْ قَادَا

اِعْمَلْ بِفَرْضِكَ حَتَّى الْمَوْتِ مُؤْتَمِناً             وَاجْعَلْ خِتَامَكَ تَحْتَ الذِّكْرِ مِفْتَاحَا

يَا صَاحِبِي، يَا مَنْ بَذَلْتَ اَلْجُهْدَ فِي مُجَاهَدَةِ نَفْسِكَ وَتَزْكِيَتِهَا، إِنَّ أَعْظَمَ اِبْتِلَاءٍ سَتَخْرُجُ لِـمُوَاجَهَتِهِ بَعْدَ إِغْلَاقِهِ هُوَ زَمَنُ اَلْوَهْمِ اَلرَّقْمِيِّ.


 لَمْ يَعُدِ اَلْكَذِبُ اَلْيَوْمَ مُجَرَّدَ اِنْحِرَافٍ خُلُقِيٍّ فَرْدِيٍّ، بَلْ أَضْحَى صِنَاعَةً ضَخْمَةً، تَعْمَلُ بِـأَدَوَاتِ اَلذَّكَاءِ اَلِاصْطِنَاعِيِّ لِـتَقْلِيبِ اَلْحَقَائِقِ وَتَزْوِيرِ اَلْوَاقِعِ، فَـتُشَوَّهُ سُمْعَةُ اَلْأَفْكَارِ وَاَلْأَشْخَاصِ بِـسُهُولَةٍ مُخِيفَةٍ. 


فِي هَذَا اَلْفَضَاءِ اَلْغَائِمِ، لَا يَجُوزُ لِـعَقْلِكَ اَلْحَكِيمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى أَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ أَخَاكَ اَلْأَقْرَبَ، بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ نَقْلٍ. 

بَلْ يَجِبُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِ اَلْحَقِّ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِـظِلِّ اَلْتَّثَبُّتِ اَلْمُحْكَمِ: لَا قَوْلَ وَلَا حُكْمَ إِلَّا بِـرُؤْيَةٍ مُبَاشَرَةٍ أَوْ دَلِيلٍ مَنْطِقِيٍّ وَوَاقِعِيٍّ قَدْ تَأَكَّدَ مِنْهُ بِنَفْسِهِ.


إِنَّ أَشَدَّ مَا يُؤْذِي نَفْسَكَ اَلْمُجَاهِدَةَ هُوَ ذَلِكَ اَلْمَشْهَدُ اَلْمُتَكَرِّرُ لِـشَيْخَيْنِ مُسْلِمَيْنِ يَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا: "قَالَ اَللَّهُ" وَ "قَالَ رَسُولُهُ"، ثُمَّ هُمَا فِي حَالَةِ اِقْتِتَالٍ وَتَنَاحُرٍ عَقَائِدِيٍّ حَادٍّ. 


لَقَدْ تَعَلَّمَ اَلْشَّابُّ اَلْبَرِيءُ مِنْ كِتَابِنَا أَنَّ اَلْإِطَارَ اَلْعَامَّ لِـدِينِهِ هُوَ اَلْوُسْطِيَّةُ وَاَلِاعْتِدَالُ، وَلَكِنَّهُ يَرَى هَذِهِ اَلْوُسْطِيَّةَ تُقْتَلُ عَلَى شَاشَةِ هَاتِفِهِ بِـسَبَبِ اَلْخَوْضِ اَلْعَنِيفِ فِي جَدَلِيَّاتِ اَلْعَقَائِدِ اَلْمُعَقَّدَةِ.


هَذَا اَلْتَّنَاقُضُ اَلْحَادُّ لَا تَقْوَى عَلَيْهِ اَلْفِطْرَةُ اَلْمُسَالِمَةُ اَلَّتِي تَطْلُبُ اَلْحَقَّ لِـتَعْمَلَ بِهِ لَا لِـتَتَجَادَلَ فِيهِ. 

وَهَذَا يَقُودُ لِـتَشَتُّتٍ نَفْسِيٍّ خَطِيرٍ، فَـبَدَلًا مِنْ أَنْ يَرْكُزَ اَلْشَّابُّ عَلَى تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وَإِقَامَةِ اَلْخِلَافَةِ اَلصُّغْرَى فِي دَاخِلِهِ، يَبْدَأُ بِـاَلْبَحْثِ اَلْمُضْنِي عَنِ اَلْمَذْهَبِ اَلصَّحِيحِ اَلْمُنْقِذِ، فَيُصَابُ بِـقَلَقٍ وُجُودِيٍّ بَيْنَ أَنْ يَتَطَرَّفَ فِي جَمَاعَةٍ يَرَى فِيهَا اَلْأَمَانَ اَلْكَامِلَ، أَوِ اَلِانْسِحَابَ اَلْكَامِلَ وَاَلْإِلْحَادَ لِـلْهَرَبِ مِنْ هَذِهِ اَلْفَوْضَى.

اَلْقَاعِدَةُ اَلْعُظْمَى: سَتَأْتِي رَبَّكَ فَرْدَاً

إِنَّ اَلْخُرُوجَ مِنْ هَذَا اَلْمَأْزَقِ اَلْجَدَلِيِّ يَبْدَأُ بِـاَلْإِيقَانِ بِـقَاعِدَةِ اَلْمَسْؤُولِيَّةِ اَلْفَرْدِيَّةِ اَلَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا اَلْقُرْآنُ اَلْكَرِيمُ. اَلْلَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَخْلُقْنَا لِـنَكُونَ أَجْزَاءً مُنْدَمِجَةً فِي فَرِيقٍ يَشْفَعُ لَنَا يَوْمَ اَلْحِسَابِ، بَلْ خَلَقَنَا لِـنَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ كُلاًّ عَلَى حِدَةٍ.

هَذَا اَلْمَعْنَى اَلْجَلِيلُ هُوَ اَلْحِصْنُ اَلْأَوَّلُ ضِدَّ اَلْحِزْبِيَّةِ وَاَلْعَصَبِيَّةِ، حَيْثُ يَقُولُ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُخَاطِباً كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا:

{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَرْدًا} (سُورَةُ مَرْيَمَ: 95) قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَرْدًا" أَيْ وَاحِدًا لَا نَاصِرَ لَهُ وَلَا مَالَ مَعَهُ يَنْفَعُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: "{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اَللَّهَ بِـقَلْبٍ سَلِيمٍ}" فَلَا يَنْفَعُهُ إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ. اَلْإِشَارَةُ إِلَى "فَرْدًا" تَلْغِي كُلَّ حِمَايَةٍ مُنْتَمَاةٍ لِـغَيْرِ اَللَّهِ.

{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (سُورَةُ اَلْأَنْعَامِ: 94) هَذِهِ اَلْآيَةُ تَضَعُكَ فِي صُورَةِ اَلْعَوْدَةِ إِلَى اَلْبِدَايَةِ اَلْأُولَى؛ لَا مَالٌ، لَا جَاهٌ، وَلَا حِزْبٌ. فَقَطْ اَلْنَّفْسُ اَلْعَارِيَةُ لِـتُوَاجِهَ سُؤَالَ: "مَاذَا قَدَّمْتَ لِـنَفْسِكَ؟ هَلْ زَكَّيْتَهَا؟" لِذَا، اَلْوَاجِبُ اَلْأَعْظَمُ لَيْسَ اَلتَّحْزُبَ بَلِ اَلْإِصْلَاحَ اَلذَّاتِيَّ.

إِنَّ اَلْفَرْدِيَّةَ فِي اَلْحِسَابِ هِيَ اَلْقَاعِدَةُ، حَتَّى فِي أَعْظَمِ اَلْمَوَاقِفِ:

دَلَالَةُ "نَفْسِي نَفْسِي" (حَدِيثُ اَلْشَّفَاعَةِ اَلْكُبْرَى - صَحِيحُ اَلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ): لَقَدْ جَاءَتْ عِبَارَةُ "نَفْسِي نَفْسِي" فِي سِيَاقٍ يَجْعَلُهَا أَشَدَّ اَلْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ اَلِانْشِغَالِ بِـاَلذَّاتِ. عِنْدَمَا يَشْتَدُّ اَلْهَوْلُ بِـاَلْخَلَائِقِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، يَأْتُونَ اَلْأَنْبِيَاءَ وَاَلْرُّسُلَ -عَلَيْهِمُ اَلْسَّلَامُ- فَيَعْتَذِرُ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ هَذَا اَلْمَقَامِ اَلْعَظِيمِ، وَيَقُولُ: "... وَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اَلْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ اَلْيَوْمِ اَلْعَصِيبِ: نَفْسِي نَفْسِي..." إِلَّا سَيِّدَنَا مُحَمَّدَاً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلَّذِي يَقُولُ: "أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ...". إِنَّ تِكْرَارَ هَذِهِ اَلْكَلِمَةِ مِنْ أَعْظَمِ اَلْخَلْقِ يُعْطِينَا دَرْسَاً قَاسِيَاً: اَلْنَّفْسُ مَحَلُّ اَلْمُحَاسَبَةِ، وَاَلْفَرْدِيَّةُ هِيَ اَلْقَاعِدَةُ اَلَّتِي تُلْزِمُنَا بِـمُجَاهَدَةِ اَلْنَّفْسِ اَلْأَمَّارَةِ بِـاَلْسُّوءِ فِي اَلْدُّنْيَا.

أَهَمِّيَّةُ اَلْتَّوْحِيدِ كَـخَاتِمَةٍ (صَحِيحُ مُسْلِمٍ وَأَبُو دَاوُدَ): إِنَّ هَذَا اَلْجِهَادَ يَهْدُفُ إِلَى اَلِاسْتِقَامَةِ عَلَى اَلْأَرْكَانِ وَحُسْنِ اَلْخَاتِمَةِ:

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَن ماتَ وهو يَعْلَمُ أنَّه لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ.» (صَحِيحُ مُسْلِمٍ).

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ اَلْجَنَّةَ» (لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ). اَلْمَقْصُودُ لَيْسَ اَلْقَوْلَ بِـاَلْلِّسَانِ فَقَطْ، بَلِ اَلْقَوْلَ بِيَقِينٍ وَعَمَلٍ بِمُقْتَضَاهَا (اَلِاسْتِقَامَةُ عَلَى اَلْفُرُوضِ وَتَرْكُ اَلْمَظَالِمِ)، وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِـتَزْكِيَةِ اَلْنَّفْسِ.


فَلْتَرْحَمُوا عُقُولَ اَلْنَّاشِئَةِ  

إِنَّ مِمَّا يُؤْلِمُ اَلْقَلْبَ وَيَزِيدُ اَلْنَّفْسَ اِضْطِرَابَاً أَنْ نَرَى اَلْيَوْمَ وَفِي زَمَنِ اَلْسَّرَابِ هَذَا بِـاَلذَّاتِ اِنْتِشَارَ فَوْضَى اَلْأَحْكَامِ اَلْشَّرْعِيَّةِ فِي مَنَصَّاتِ اَلتَّوَاصُلِ. فَبَيْنَمَا كَانَ اَلْحُكْمُ بِـاَلْتَّكْفِيرِ مَحْجُوزَاً لِـأَعْمَقِ عُلَمَاءِ اَلْأُمَّةِ، نَجِدُ اَلْآنَ مَنْ لَيْسَ لَهُ بَاعٌ فِي اَلْعُلُومِ يَعْتَلِي مَنَصَّةً لِـيَبْدَأَ بِـاَلْطَّعْنِ وَاَلْقَذْفِ فِي مُسْلِمِينَ بَسِيطِينَ.

 يَتَحَوَّلُ اِخْتِلَافٌ فِي مَسْأَلَةٍ إِلَى حُكْمٍ قَاطِعٍ بِـ: "هَذَا كَافِرٌ، هَذَا فَاسِقٌ، هَذَا مُرْتَدٌّ!".

لِـأَجْلِ حِمَايَةِ هَذِهِ اَلْنُّفُوسِ مِنْ اَلْغُلُوِّ، يَجِبُ اَلْعَوْدَةُ لِـقَوَاعِدِ اَلِاحْتِرَازِ اَلْعَقَائِدِيِّ اَلَّتِي وَضَعَهَا أَئِمَّةُ اَلْأُمَّةِ:

قَالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ فِي "إِعْلَامِ اَلْمُوَقِّعِينَ": "مِنَ اَلْكَبَائِرِ تَكْفِيرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ".

اَلْحُكْمُ بِـاَلْتَّكْفِيرِ وَاَلْتَّفْسِيقِ لَيْسَ إِلَيْنَا، بَلْ هُوَ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... فَـلَا يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ إِلَّا مَنْ دَلَّ اَلْكِتَابُ وَاَلْسُّنَّةُ عَلَى كُفْرِهِ أَوْ فِسْقِهِ".

تَذَكَّرْ دَائِمَاً: اَلْجِهَادُ اَلْأَكْبَرُ هُوَ أَنْ تَتَعَلَّمَ كَيْفَ تُزَكِّي نَفْسَكَ وَحْدَهَا فِي وَجْهِ سَرَابِ اَلْعَصْرِ اَلْمُشَتِّتِ. فَلْتَرْحَمْ عَقْلَكَ وَرُوحَكَ مِنَ اَلْجَدَلِ اَلْعَقِيمِ، وَلِـتَكُنْ اَلْوُسْطِيَّةُ هِيَ دِرْعُكَ اَلْحَصِينُ.

مَنْ يَدْفَعُ اَلْضَّرِيبَةَ اَلْأَخِيرَةَ؟ اِضْطِرَابُ اَلْنَّفْسِ اَلْنَّاشِئَةِ

إِنَّ أَفْدَحَ ضَرِيبَةٍ لِـهَذِهِ اَلْمُهَاتَرَاتِ اَلْعَقَائِدِيَّةِ اَلْمُتَضَخِّمَةِ عَلَى مَنَصَّاتِ اَلتَّوَاصُلِ لَا يَدْفَعُهَا أَصْحَابُ اَلْجَدَلِ، بَلْ يَدْفَعُهَا اَلْجِيلُ اَلْنَّاشِئُ وَشَبَابُ اَلْأُمَّةِ اَلْبَسِيطُ.

 هَؤُلَاءِ اَلْفِئَةُ اَلَّتِي لَيْسَ لَهَا بَاعٌ فِي اَلْعِلْمِ وَلَا فِي اَلْجَدَلِ – تُصْبِحُ نَفْسِيَّتُهَا مَكْتَظَّةً بِـاَلْاِضْطِرَابِ اَلْعَقْلِيِّ وَاَلْنَّفْسِيِّ. لَقَدْ تَرَسَّخَتْ فِي دَاخِلِهِمْ تِسَاؤُلَاتٌ وُجُودِيَّةٌ مُرْعِبَةٌ: هَلْ أَنَا عَلَى اَلْحَقِّ أَمْ عَلَى اَلْغَلَطِ؟ هَلْ سَأَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ أَمْ سَأَكُونُ مِنَ اَلْهَالِكِينَ؟ هَذَا اَلْقَلَقُ اَلْعَقَائِدِيُّ يُشَلُّ حَيَاتَهُمُ اَلِاجْتِمَاعِيَّةَ، وَيُبْعِدُهُمْ عَنْ جَوْهَرِ اَلْعَمَلِ اَلْصَّالِحِ وَتَزْكِيَةِ اَلْنَّفْسِ.

وَإِنَّ مَا يَزْدَادُ بِهِ اَلْطِّينُ بِلَّةً هُوَ أَنَّ هَذَا اَلْمَشْهَدَ اَلْمُؤْلِمَ يَرَاهُ اَلْمُلْحِدُ وَاَلْمُتَرَدِّدُ فِي إِيمَانِهِ، فَيَرَى مُسْلِمِينَ يَدَّعُونَ اَلْعَوْدَةَ لِـ"قَالَ اَللَّهُ وَقَالَ رَسُولُهُ" ثُمَّ يَتَقَاذَفُونَ بِـأَقْبَحِ اَلْأَلْفَاظِ (كَـاَلْكُفْرِ وَاَلْفِسْقِ)، بَلْ وَيَصِلُ اَلْحَالُ بِـبَعْضِ مُتَعَلِّمِي اَلْحُرُوفِ إِلَى اَلْطَّعْنِ فِي أَئِمَّةِ اَلْمُسْلِمِينَ اَلْكِبَارِ كَـاَلْإِمَامِ اَلْنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَاَلْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِـاَلْكُفْرِ!

إِنَّ هَذَا اَلْمَشْهَدَ اَلْمُفْزِعَ لَنْ يَدْفَعَ شَخْصَاً غَيْرَ مُسْلِمٍ لِـاِعْتِنَاقِ اَلْإِسْلَامِ، بَلْ سَيُثَبِّتُهُ فِي حَالَةِ اَلْإِلْحَادِ وَاَلْاِنْسِحَابِ اَلْكَامِلِ. لِذَلِكَ، فَـاَلْأَجْدَرُ وَاَلْأَوْجَبُ عَلَيْنَا هُوَ تَرْكُ هَذِهِ اَلْمُعْضِلَاتِ اَلْكُبْرَى لِـأَهْلِ اَلِاخْتِصَاصِ وَاَلْعُلَمَاءِ اَلْرَّاسِخِينَ اَلَّذِينَ يَعْرِفُونَ قَوَاعِدَ اَلْتَّكْفِيرِ وَمَوَانِعَهُ وَاَلِانْشِغَالُ بِـجِهَادِنَا اَلْأَكْبَرِ: تَزْكِيَةِ اَلْنَّفْسِ، وَإِقَامَةِ اَلْأَرْكَانِ، وَحِفْظِ اَلْأَلْسُنِ مِنْ أَنْ تَقُولَ عَلَى اَللَّهِ وَدِينِهِ بِمَا لَا تَعْلَمُ.


الفكر هو البداية والتعلم هو الوقود

الفكر هو البداية والتعلم هو الوقود


الحياة نهر متعرج يجمع بين السكون والعواصف، ويقف الإنسان على ضفتيه أمام خيارات تصوغ مستقبله وتحدد ملامح مصيره. فهو يختار بين طريق مألوف يقوده إلى التكرار والرتابة، وطريق آخر مليء بالتحديات يقوده إلى آفاق الإنجاز والتميز. ومن هنا تتجلى حقيقة جوهرية مفادها أن الفكرة المبدعة ليست وحدها ما يصنع العظمة، بل إنها الشرارة الأولى التي تحتاج إلى وقود من الإصرار، وعقل لا يتوقف عن التساؤل، وإرادة قادرة على تحويل الخيال إلى واقع.
كثير من الناس يظنون أن المال هو البداية والنهاية، وأن الثروة هي الشرط الأول لكل نجاح، غير أن التجارب الإنسانية الكبرى تكشف أن الأفكار كانت دائما تسبق الأموال، وأن الإبداع كان أصل الثروات لا نتيجتها فقط. فكم من موارد هائلة ضاعت بسبب غياب الرؤية، وكم من مشاريع صغيرة تحولت إلى إمبراطوريات عالمية لأنها انطلقت من فكرة واضحة وحاجة حقيقية وإصرار لا يعرف التراجع.
وعندما نتأمل النماذج الاقتصادية المعاصرة نجد شواهد كثيرة على هذه الحقيقة. فشركة أوبر، إحدى أكبر منصات النقل في العالم، لم تبن نجاحها على امتلاك أساطيل ضخمة من المركبات، بل على فكرة بسيطة وفعالة تقوم على الربط بين السائقين والركاب عبر منصة رقمية سهلة الاستخدام. لقد أعادت تعريف مفهوم النقل، وأثبتت أن القدرة على التنسيق بين الأطراف المختلفة قد تكون أكثر قيمة من امتلاك الأصول نفسها.
والأمر ذاته يمكن ملاحظته في مجموعة علي بابا ومنصاتها التجارية، التي لم تنطلق من مخازن عملاقة مملوءة بالبضائع، بل من رؤية تقوم على تسهيل التواصل بين المنتجين والمشترين وتقليص الحواجز التقليدية في التجارة. كما أن منصة إير بي إن بي لم تبن نجاحها على امتلاك العقارات، وإنما على استثمار الموارد الموجودة أصلا لدى الآخرين، وربط أصحابها بالمسافرين بطريقة مبتكرة حققت منفعة متبادلة للطرفين.
هذه النماذج لا تؤكد أهمية المال بقدر ما تؤكد قيمة الفكرة. فالإبداع الحقيقي لا يبدأ بما نملك، بل بما نرى، وبالقدرة على اكتشاف فرصة يمر عنها الآخرون دون انتباه. ولهذا فإن المشكلات ليست دائما عوائق، بل قد تكون دعوات مفتوحة للابتكار، كما أن الفشل ليس نهاية الطريق، بل محطة تعلم تكشف للإنسان ما لم يكن يراه من قبل.
ومن هنا تظهر أهمية التعلم المستمر بوصفه المنبع الحقيقي للأفكار الجديدة. فكل معرفة جديدة تضيف لبنة إلى بناء العقل، وكل سؤال صادق يفتح بابا لم يكن مرئيا من قبل. إن السؤال اليومي: ماذا تعلمت اليوم؟ ليس مجرد عبارة عابرة، بل هو منهج حياة يحول الأيام إلى تراكم معرفي متصاعد. ومع مرور الزمن يصبح الفضول الفكري أحد أعظم أنواع رأس المال، لأنه يحول الجهل إلى دافع للبحث، والخطأ إلى فرصة للفهم، والتجربة إلى مصدر للحكمة.
ولا يكتمل هذا المسار إلا بمرونة فكرية تسمح للإنسان بالتكيف مع المتغيرات. فالعالم لا يتوقف عن التحول، والتمسك الأعمى بالأساليب القديمة قد يحول العادات إلى قيود تمنع التقدم. أما العقل المرن فيتعامل مع التغيير بوصفه فرصة للنمو لا تهديدا للاستقرار.
وعندما ننتقل إلى الحديث عن الإتقان نجد أن الوقت ليس مجرد ساعات تمر، بل هو المادة الخام التي تصنع الخبرة والمهارة. ومن هنا برزت فكرة ما يسمى بقانون المائة ساعة، الذي يشير إلى أن التقدم الملحوظ في أي مجال لا يتطلب بالضرورة آلاف الساعات منذ البداية، بل يحتاج إلى قدر كاف من الممارسة المركزة والمنظمة يضع الإنسان في مرتبة متقدمة مقارنة بغيره من المبتدئين.
إن مائة ساعة من التعلم الجاد والممارسة الواعية قد تحدث تحولا كبيرا في مستوى الفرد. وعندما توزع هذه الساعات على مدار عام كامل فإنها لا تتطلب سوى دقائق محدودة يوميا، لكنها تترك أثرا تراكميا هائلا. فالإنجازات الكبرى لا تولد غالبا من الجهود المتقطعة، وإنما من الاستمرار الهادئ الذي يبني المهارة خطوة بعد أخرى، كما يبنى الصرح حجرا فوق حجر.
ولعل السبب الذي يجعل كثيرين لا يبلغون مستويات متقدمة ليس نقص الذكاء أو الموهبة، بل ضعف الالتزام والاستمرارية.
فالقليل المنتظم يتفوق في أثره على الكثير المنقطع، والمثابرة المتواصلة تتفوق في كثير من الأحيان على الموهبة التي لا تجد من يرعاها وينميها.
غير أن التقدم لا تعرقله العقبات الخارجية وحدها، بل قد تعرقله أيضا المخاوف الداخلية. فالخوف يشبه ظلا يضخم الأشياء ويجعلها تبدو أكبر مما هي عليه في الواقع. فلو وضعت خشبة على أرض مستوية وطلب من شخص أن يسير فوقها لفعل ذلك بسهولة، لكن الخشبة نفسها إذا وضعت بين مبنيين مرتفعين فقد يتردد أو يعجز عن اتخاذ الخطوة الأولى. والخشبة لم تتغير، وإنما تغيرت الصورة الذهنية المرتبطة بها.
وهنا يتجلى الفرق بين من يتقدم ومن يتراجع. فالأول ينظر إلى التحديات باعتبارها مشكلات قابلة للحل، بينما ينظر إليها الثاني باعتبارها أخطارا تمنعه من الحركة. والنتيجة أن كثيرا من القدرات تبقى حبيسة الخوف والوهم، لا بسبب نقص الإمكانات، وإنما بسبب المبالغة في تصور العوائق.
وإذا تأملنا سنن الله في الكون وجدنا أن الرزق مرتبط بالسعي، وأن الحياة قائمة على الأخذ بالأسباب. فالطير تغدو خماصا وتروح بطانا، تبحث وتسعى وتتحرك، مع أن رزقها مقدر لها. وهكذا يعلمنا الكون أن الضمان الإلهي للرزق لا يلغي العمل، وأن الأمل لا يغني عن الحركة، وأن الثمار لا تنال إلا بعد بذل الجهد وتحمل المشقة.
ولهذا أكد الحكماء والفلاسفة عبر العصور أهمية الجرأة والممارسة والمجاهدة. فقد نسبت إلى سينيكا عبارة مفادها أن الحظ يساند الجريئين، في إشارة إلى أن الفرص تميل إلى من يبادرون بالفعل. وأكد ابن خلدون في مقدمته أن الملكات والمهارات لا تترسخ إلا بالتكرار والممارسة المستمرة. كما بين أبو حامد الغزالي أن مجاهدة النفس طريق أساسي لتهذيب الإنسان وارتقائه.
أما الفشل، فليس خصما للنجاح كما يتصور البعض، بل أحد مكوناته الأساسية. فالتجارب غير الناجحة تكشف الثغرات، وتوضح المسارات، وتمنح الإنسان خبرة لا يمكن الحصول عليها من الكتب وحدها. ولهذا اشتهر عن توماس إديسون قوله إنه لم يفشل، بل اكتشف طرقا كثيرة لا تؤدي إلى النتيجة المطلوبة. كما رأى أرسطو أن التميز ليس فعلا عارضا، بل عادة تنشأ من التكرار والممارسة.
ومن أبلغ الأمثلة التي تكشف أهمية التساؤل قصة السمكة والمقلاة. فقد اعتادت امرأة أن تقطع رأس السمكة وذيلها قبل طهيها لأنها تعلمت ذلك من والدتها، وعندما سئلت الجدة عن السبب أوضحت أن الأمر لم يكن وصفة خاصة، وإنما كان حلا فرضته ظروف الفقر وصغر حجم المقلاة التي كانت تملكها. وهكذا تحول إجراء مؤقت إلى عادة متوارثة فقدت مبررها الأصلي.
هذه القصة تكشف أن كثيرا من السلوكيات والأفكار التي نمارسها يوميا لا تستند إلى تفكير واع، بل إلى تقليد غير مدروس. ولذلك فإن التساؤل ليس مجرد فضول ذهني، بل أداة لتحرير العقل من القيود الخفية، وإعادة النظر في المسلمات التي اعتدناها دون فحص أو مراجعة.
إن قيمة الفكرة غير المجسدة تكمن في قدرتها على إزالة العوائق وتحقيق الكفاءة وخلق حلول جديدة. والفكرة العظيمة تبدأ غالبا بسؤال بسيط، ثم تتحول بالتعلم والمثابرة إلى مشروع، ثم إلى أثر يمتد في حياة الناس. ولهذا فإن الفضول المعرفي، والانضباط اليومي، والجرأة في مواجهة الخوف، والصبر على الفشل، كلها حلقات متصلة في سلسلة واحدة تقود الإنسان نحو النمو والإنجاز.
وفي زمن تكثر فيه الوعود البراقة والشعارات الجذابة والإحصاءات المضللة، يصبح من الضروري أن يتحلى الإنسان بالوعي والبصيرة، وأن يميز بين الحقائق والأوهام، وبين العمل الحقيقي والادعاءات الفارغة. فليس النجاح كلمة تقال، ولا حلما يباع، ولا وصفة سحرية تختصر الطريق، بل هو ثمرة فكر واع، وعمل متواصل، وسعي صادق، وتقوى تجعل الإنسان أكثر اتزانا في نظرته إلى الحياة وإلى نفسه وإلى العالم من حوله.
وهكذا يبقى الفكر هو البداية، والتعلم هو الوقود، والعمل هو الجسر، والصبر هو الرفيق، أما النجاح فليس إلا النتيجة الطبيعية لمسار طويل من الوعي والمثابرة والسعي المستمر.