لِمَاذَا "لَا تَسْتَقِيمُ"؟

  لِمَاذَا "لَا تَسْتَقِيمُ"؟



إِنَّ أُصُولَ اَلْإِسْلَامِ قَوَاعِدُ رَاسِخَةٌ لَا مِرَاءَ فِيهَا؛ فَـعَنْ اِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ يَقُولُ: «بُنِيَ اَلْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ اَللَّهِ، وَإِقَامِ اَلصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ اَلْزَّكَاةِ، وَاَلْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».


إِنَّ هَذِهِ اَلْأَرْكَانَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ شَاهِدٍ بِـأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَللَّهِ. وَاَلْشَّهَادَتَانِ هُمَا مِفْتَاحُ اَلْمِلَّةِ وَمَنْطَلَقُ اَلْيَقِينِ، وَهُمَا تَلَازُمٌ بَيْنَ اَلْقَوْلِ وَاَلْعَمَلِ وَاَلْقَلْبِ. كَمَا أَنَّ اَلصَّلَاةَ عَمُودُ اَلدِّينِ، وَاَلْزَّكَاةَ طُهْرَةٌ لِـلْنُّفُوسِ مِنْ بَخْلِ اَلْمَالِ، وَاَلْحَجَّ فَرْضٌ عَلَى اَلْمُسْتَطِيعِ، وَصِيَامَ رَمَضَانَ مَوْسِمٌ عَظِيمٌ لِـلْتَّقْوَى وَاَلْمُجَاهَدَةِ.

وَلَكِنْ، أَيْنَ يَقَعُ اَلْخَلَلُ؟


اَلْخَلَلُ لَيْسَ فِي اَلِاعْتِقَادِ بِـوُجُوبِ هَذِهِ اَلْفَرَائِضِ، بَلْ فِي اَلْقُدْرَةِ عَلَى اَلِاسْتِقَامَةِ اَلْفِعْلِيَّةِ عَلَيْهَا. اَلْمُشْكِلَةُ تَنْبُعُ مِنْ مُحَارَبَةِ اَلْنَّفْسِ اَلْأَمَّارَةِ وَتَغَلْغُلِ وَسْوَسَةِ اَلْشَّيْطَانِ.


فَـاَلَّذِي يَتَكَاسَلُ عَنِ اَلصَّلَاةِ، لَا يُنْكِرُ فَرْضِيَّتَهَا، بَلْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ.


وَكَذَلِكَ مَنِ اِمْتَنَعَ عَنْ إِيتَاءِ اَلْزَّكَاةِ، فَـلَيْسَ اَلْخَلَلُ فِي عَقِيدَتِهِ بِـوُجُوبِهَا، بَلْ فِي سَيْطَرَةِ حُبِّ اَلْمَالِ اَلَّذِي هُوَ أَكْبَرُ فِتْنَةٍ فِي عَصْرِنَا اَلْحَالِيِّ.


وَكَذَلِكَ اَلْحَجُّ، فَـاَلنَّفْسُ وَهَوَى اَلْمَتَاعِ اَلدُّنْيَوِيِّ قَدْ يُنْسِيَانِ اَلْمُسْتَطِيعَ فَرِيضَةً وَاجِبَةً.


إِنَّ اَلْأَمْرَ يَتَعَدَّى اَلْتَّقْصِيرَ فِي اَلْفُرُوضِ اَلْعِبَادِيَّةِ؛ فَنَحْنُ نَرَى جِيلاً مِنَ اَلْشَّبَابِ يَجْتَهِدُ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَرْجِعُ لِـعَادَاتِهِ اَلْقَدِيمَةِ بَعْدَ اِنْقِضَائِهِ. وَاَلْطَّامَّةُ اَلْكُبْرَى أَنَّ اَلنَّفْسَ اَلْغَيْرَ مُزَكَّاةٍ سَتَقُودُ حَتْمَاً إِلَى اَلْمَظَالِمِ اَلِاجْتِمَاعِيَّةِ: كَـظُلْمِ اَلْإِخْوَةِ، أَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِـاَلْبَاطِلِ، وَاَلْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِهِمْ بِـاَلْغِيبَةِ وَاَلْنَّمِيمَةِ.


وَلَا نَنْسَ أَنَّ اَلْعَلَاقَةَ بَيْنَ اَلْعَبْدِ وَاَلْعَبْدِ تَتَجَاوَزُ اَلْعَلَاقَةَ بَيْنَ اَلْعَبْدِ وَرَبِّهِ فِي حَالِ اَلْمَظَالِمِ. فَـلَنْ تَنْفَعَكَ صَلَاتُكَ وَصِيَامُكَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ دُونَ رَدِّ اَلْمَظْلَمَةِ لِـأَخِيكَ اَلْمُسْلِمِ، حَيْثُ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِكَ لِـيُوَازِنَ اَلْمِيزَانَ.


إِنَّ كِتَابَ "لَا تَسْتَقِيمُ" لَمْ يُؤَلَّفْ لِـيَدْعُوَ لِـاَلْتَّهَاوُنِ فِي اَلْفُرُوضِ حَاشَا لِـلَّهِ أَنْ نَقُولَ ذَلِكَ  فَـاَلْفَرْضُ وَاجِبٌ لَا سَقَاطَ فِيهِ. بَلْ كُتِبَ لِـيُشَدِّدَ عَلَى أَنَّ اَلْجِهَادَ اَلْأَكْبَرَ هُوَ اَلْمِيزَانُ لِـكُلِّ تِلْكَ اَلْفَرَائِضِ؛ لِـكَيْ تَسْتَقِيمَ فِي فُرُوضِكَ وَفِي مُعَامَلَاتِكَ مَعَ اَلْنَّاسِ، عَلَيْكَ مُجَاهَدَةُ نَفْسِكَ وَتَزْكِيَتُهَا وَتَرْوِيضُهَا.


إِنَّ سَبَبَ اَلْمَشَاكِلِ اَلْنَّفْسِيَّةِ وَاَلِاجْتِمَاعِيَّةِ اَلْمُعَاصِرَةِ (كَـاَلِاكْتِئَابِ وَاَلْقَلَقِ) يَعُودُ لِـهَذَا اَلْفَشَلِ فِي اَلْمُجَاهَدَةِ، وَاَلِانْصِيَاعِ لِـفِتْنَتَيْ اَلْعَصْرِ: اَلْتِّكْنُولُوجِيَا وَاَلْمَالِ. لِذَلِكَ، اَلْهَدَفُ هُوَ ضَبْطُ اَلْنَّفْسِ عَنِ اَلْهَوَى وَعِلَاجُ اَلْمُشْكِلَاتِ اَلْنَّفْسِيَّةِ لِـإِيجَادِ إِنْسَانٍ مُنْتِجٍ يَعِيشُ حَيَاةً سَعِيدَةً وَوَسَطِيَّةً. فَلْيَحْذَرْ اَلْقَارِئُ ثُمَّ لْيَحْذَرْ مِنْ نَفْسِهِ اَلْأَمَّارَةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَمُ.

يَرْوِي الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ سَعِيدُ الكَمَلِيُّ قِصَّةَ إِمَامٍ لِمَسْجِدٍ فِي إِحْدَى البُلْدَانِ الغَرْبِيَّةِ تَلَقَّى رِسَالَةً مِنْ اِمْرَأَةٍ يَهوُدِيَّةٍ تَتَضَمَّنُ سُؤَالاً مُحَيِّراً يَدعُو إِلَى التَّأَمُّلِ والنَّظَرِ فِي حَالِ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ.

خُلَاصَةُ الرِّسَالَةِ:

تَقُولُ المَرْأَةُ اليَهُودِيَّةُ فِي رِسَالَتِهَا:

  1. شَهَادَةٌ مِنَ السِّيرَةِ: لَقَدْ قَرَأْتُ فِي كُتُبِكُمْ، وَخَاصَّةً السِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ، أَنَّ رَسُولَكُمْ مُحَمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَعَاهَدُ جَاراً لَهُ يَهُودِيّاً، وَلَمَّا مَرِضَ هَذَا الجَارُ زَارَهُ النَّبِيُّ الكَرِيمُ ودَعَاهُ إِلَى الإِسْلامِ، فَأَسْلَمَ.

  2. مَنْطِقُ الإيمَانِ: ذَلِكَ اليَهُودِيُّ أَسْلَمَ لأَنَّهُ رَأَى مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَامُلاً ظَاهِراً يَدُلُّ عَلَى عِصْمَةِ النُّبُوَّةِ وعَلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ حَقٌّ.

  3. سُؤَالُ الحَيْرَةِ: أمَّا نَحْنُ، فَلَمْ نَرَ مِنْكُمْ شَيْئاً يَدعُونَا إِلَى الإِسْلامِ! بَلْ عَلَى العَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، نَرَاكُمْ تُكَفِّرُونَ بَعْضَكُمْ بَعْضًا، وتَقْتُلُونَ بَعْضَكُمْ بَعْضًا، الوَاحِدُ مِنْكُمْ يَقُولُ لِأَخِيهِ: "أَنْتَ كَافِرٌ"، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الأَخَ يَقُولُ: "أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ".

مَوْقِفُ الإمَامِ:

لَمْ يَجِدِ الإِمَامُ كَلِمَةً يَرُدُّ بِهَا عَلَى المَرْأَةِ، وَاسْتَوْقَفَهُ سُؤَالُهَا كَثِيراً، حَيْثُ جَعَلَهُ يَتَسَاءَلُ عَنْ مَوْقِعِ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَيْنَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِأَخْلاقِ الإِسْلامِ فِي حَالِنَا المُجْتَمَعِيِّ، مِمَّا يَدْعُو غَيْرَ المُسْلِمِينَ إِلَى الاِقْتِنَاعِ والهُدَى.

إِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تَقِفُ لَنَا عِبْرَةً عَظِيمَةً فِي مَنْهَجِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ. فَالإِسْلامُ لَيْسَ مُجَرَّدَ نُصُوصٍ وَأَحْكَامٍ تُتْلَى، بَلْ هُوَ سُلُوكٌ وَأَخْلاقٌ تَتَجَسَّدُ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ.

تُؤَكِّدُ القِصَّةُ عَلَى النِّقَاطِ المِحْوَرِيَّةِ التَّالِيَةِ:

  1. قُوَّةُ النَّمُوذَجِ العَمَلِيِّ: لَقَدْ كَانَ خُلُقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الدَّاعِيَةَ الأَوَّلَ، وَهُوَ الحُجَّةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ. فَالنَّاسُ لَا يُؤْمِنُونَ بِمَا نَقُولُ، بَلْ بِمَا نَفْعَلُهُ وَنُظْهِرُهُ مِنْ حُلُوِّ الأَخْلاقِ.

  2. خَطَرُ الصِّرَاعِ الدَّاخِلِيِّ: إِنَّ تَكْفِيرَ بَعْضِنَا لِبَعْضٍ وَالاِخْتِلافَ المُفْضِيَ إِلَى العُنْفِ، يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَيُصْبِحُ الدِّينُ فِي نَظَرِهِم سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ والقَتْلِ، بَدَلاً مِنْ أَنْ يَكُونَ مَصْدَراً لِلرَّحْمَةِ والسَّلامِ.

  3. إِظْهَارُ رَحْمَةِ الإِسْلامِ: عَلَيْنَا أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ عَيْنَ الآخَرِ تَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَأَنَّنَا مِرْآةٌ لِدِينِنَا. فَوَاجِبُنَا أَنْ نُعَامِلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، مُسْلِمِينَ وَغَيْرَ مُسْلِمِينَ، بِالحُسْنَى، كَيْ يَرَوْا فِي تَعَامُلِنَا دَلِيلاً عَلَى حَقِيقَةِ مَا نَدْعُو إِلَيْهِ.

لَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَارٌ يَهُودِيٌّ، وَوَصَّى الإِسْلامُ بِحُسْنِ مُعَامَلَةِ الجَارِ مُطْلَقًا دُونَ التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ الدِّينِ. وَإِلَيْكَ بَعْضُ المَصَادِرِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ:

أَوَّلاً: قِصَّةُ عِيَادَةِ الجَارِ اليَهُودِيِّ

  • وَرَدَتْ قِصَّةُ عِيَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَارِهِ اليَهُودِيِّ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ وَالسِّيرَةِ، حَيْثُ زَارَهُ مَرِيضًا وَدَعَاهُ إِلَى الإِسْلامِ فَأَسْلَمَ. رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ فِي "عَمَلِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" وَغَيْرُهُ عَنْ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه.

    • (مَعَ العِلْمِ أَنَّ الأَسَانِيدَ الوَارِدَةَ فِي هَذِهِ القِصَّةِ ضَعِيفَةٌ، كَمَا أَشَارَتْ بَعْضُ مَرَاجِعِ التَّدْقِيقِ الحَدِيثِيِّ، إِلَّا أَنَّ القَصْدَ مِنْهَا جَائِزٌ لِلْعِبْرَةِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وَحُكْمُ عِيَادَةِ المَرِيضِ الكِتَابِيِّ جَائِزٌ ومُسْتَحَبٌّ لِلدَّعْوَةِ).

    • (أَمَّا القِصَّةُ المَشْهُورَةُ عَنْ جَارٍ كَانَ يُلْقِي القَاذُورَاتِ أَمَامَ بَابِهِ ثُمَّ زَارَهُ النَّبِيُّ، فَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ وَلَمْ تَرِدْ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ أَوِ السِّيرَةِ، وَإِنَّمَا تُورَدُ لِضَرْبِ المَثَلِ فِي التَّسَامُحِ).

ثَانِيًا: الوَصِيَّةُ بِالجَارِ مُطْلَقًا

الأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ فِي حَقِّ الجَارِ:

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

  • هَذِهِ الوَصِيَّةُ لَمْ تُقَيَّدْ بِالإِسْلامِ، وَقَدْ خَصَّصَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ "الأَدَبِ المُفْرَدِ" بَاباً بِعُنْوَانِ: "بَابُ الجَارِ اليَهُودِيِّ".

تَطْبِيقُ الصَّحَابَةِ:

  • كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا إِذَا ذَبَحَ شَاةً، يَقُولُ لِأَهْلِهِ: "أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وأَبُو دَاوُدَ). هَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى شُمُولِ حَقِّ الجِوَارِ لِأَهْلِ الكِتَابِ.

رِسَالَةٌ خِتَامِيَّةٌ: وَبِـاَلْوَسَطِيَّةِ اِعْتَصِمُوا... صُنْعُ اَلْوَهْمِ وَمِحْنَةُ اَلْيَقِينِ

لَا تَغْفَلَنَّ فَزَمْنُ الْوَهْمِ قَدْ سَادَا                  وَالْحَقُّ يُصْنَعُ بِالْأَدْوَاتِ وَانْقَادَا

فَاحْفَظْ فُؤَادَكَ مِنْ نَقْلٍ بِلَا سَنَدٍ                  وَلَا تَحْكُمْ بِمَا الزَّيْفُ قَدْ أَشَادَا

عَرَفْتَ فِيهِ صِرَاطَ الْوُسْطِ مُعْتَصِماً             فَلَا تَقْتُلْهُ بِجَدْلٍ قَدْ تَشَدَّدَا

تَزْكِيَةُ النَّفْسِ خَيْرٌ مِنْ تَحَزُّبِنَا                  فَالْمَرْءُ آتٍ إِلَى الرَّحْمَنِ مُنْفَرِدَا

إِيَّاكُمْ وُلَاةَ التَّكْفِيرِ فِي عَجَلٍ                    إِنَّ الْحُكُْمَ لِرَبِّ الْخَلْقِ قَدْ حُدِّدَا

لَا تَرْمِ مُسْلِماً بِالْفِسْقِ فِي غَلَطٍ                 فَقَاعِدَةُ الْحِذَارِ الْعِلْمُ قَدْ سَنَّدَا

ارْحَمْ فُؤَادَ فَتًى يَبْغِي سَبِيلَ هُدًى               فَمَشْهَدُ الْخُلْفِ لِلْإِلْحَادِ قَدْ قَادَا

اِعْمَلْ بِفَرْضِكَ حَتَّى الْمَوْتِ مُؤْتَمِناً             وَاجْعَلْ خِتَامَكَ تَحْتَ الذِّكْرِ مِفْتَاحَا

يَا صَاحِبِي، يَا مَنْ بَذَلْتَ اَلْجُهْدَ فِي مُجَاهَدَةِ نَفْسِكَ وَتَزْكِيَتِهَا، إِنَّ أَعْظَمَ اِبْتِلَاءٍ سَتَخْرُجُ لِـمُوَاجَهَتِهِ بَعْدَ إِغْلَاقِهِ هُوَ زَمَنُ اَلْوَهْمِ اَلرَّقْمِيِّ.


 لَمْ يَعُدِ اَلْكَذِبُ اَلْيَوْمَ مُجَرَّدَ اِنْحِرَافٍ خُلُقِيٍّ فَرْدِيٍّ، بَلْ أَضْحَى صِنَاعَةً ضَخْمَةً، تَعْمَلُ بِـأَدَوَاتِ اَلذَّكَاءِ اَلِاصْطِنَاعِيِّ لِـتَقْلِيبِ اَلْحَقَائِقِ وَتَزْوِيرِ اَلْوَاقِعِ، فَـتُشَوَّهُ سُمْعَةُ اَلْأَفْكَارِ وَاَلْأَشْخَاصِ بِـسُهُولَةٍ مُخِيفَةٍ. 


فِي هَذَا اَلْفَضَاءِ اَلْغَائِمِ، لَا يَجُوزُ لِـعَقْلِكَ اَلْحَكِيمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى أَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ أَخَاكَ اَلْأَقْرَبَ، بِمُجَرَّدِ سَمَاعِ نَقْلٍ. 

بَلْ يَجِبُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِ اَلْحَقِّ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِـظِلِّ اَلْتَّثَبُّتِ اَلْمُحْكَمِ: لَا قَوْلَ وَلَا حُكْمَ إِلَّا بِـرُؤْيَةٍ مُبَاشَرَةٍ أَوْ دَلِيلٍ مَنْطِقِيٍّ وَوَاقِعِيٍّ قَدْ تَأَكَّدَ مِنْهُ بِنَفْسِهِ.


إِنَّ أَشَدَّ مَا يُؤْذِي نَفْسَكَ اَلْمُجَاهِدَةَ هُوَ ذَلِكَ اَلْمَشْهَدُ اَلْمُتَكَرِّرُ لِـشَيْخَيْنِ مُسْلِمَيْنِ يَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا: "قَالَ اَللَّهُ" وَ "قَالَ رَسُولُهُ"، ثُمَّ هُمَا فِي حَالَةِ اِقْتِتَالٍ وَتَنَاحُرٍ عَقَائِدِيٍّ حَادٍّ. 


لَقَدْ تَعَلَّمَ اَلْشَّابُّ اَلْبَرِيءُ مِنْ كِتَابِنَا أَنَّ اَلْإِطَارَ اَلْعَامَّ لِـدِينِهِ هُوَ اَلْوُسْطِيَّةُ وَاَلِاعْتِدَالُ، وَلَكِنَّهُ يَرَى هَذِهِ اَلْوُسْطِيَّةَ تُقْتَلُ عَلَى شَاشَةِ هَاتِفِهِ بِـسَبَبِ اَلْخَوْضِ اَلْعَنِيفِ فِي جَدَلِيَّاتِ اَلْعَقَائِدِ اَلْمُعَقَّدَةِ.


هَذَا اَلْتَّنَاقُضُ اَلْحَادُّ لَا تَقْوَى عَلَيْهِ اَلْفِطْرَةُ اَلْمُسَالِمَةُ اَلَّتِي تَطْلُبُ اَلْحَقَّ لِـتَعْمَلَ بِهِ لَا لِـتَتَجَادَلَ فِيهِ. 

وَهَذَا يَقُودُ لِـتَشَتُّتٍ نَفْسِيٍّ خَطِيرٍ، فَـبَدَلًا مِنْ أَنْ يَرْكُزَ اَلْشَّابُّ عَلَى تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وَإِقَامَةِ اَلْخِلَافَةِ اَلصُّغْرَى فِي دَاخِلِهِ، يَبْدَأُ بِـاَلْبَحْثِ اَلْمُضْنِي عَنِ اَلْمَذْهَبِ اَلصَّحِيحِ اَلْمُنْقِذِ، فَيُصَابُ بِـقَلَقٍ وُجُودِيٍّ بَيْنَ أَنْ يَتَطَرَّفَ فِي جَمَاعَةٍ يَرَى فِيهَا اَلْأَمَانَ اَلْكَامِلَ، أَوِ اَلِانْسِحَابَ اَلْكَامِلَ وَاَلْإِلْحَادَ لِـلْهَرَبِ مِنْ هَذِهِ اَلْفَوْضَى.

اَلْقَاعِدَةُ اَلْعُظْمَى: سَتَأْتِي رَبَّكَ فَرْدَاً

إِنَّ اَلْخُرُوجَ مِنْ هَذَا اَلْمَأْزَقِ اَلْجَدَلِيِّ يَبْدَأُ بِـاَلْإِيقَانِ بِـقَاعِدَةِ اَلْمَسْؤُولِيَّةِ اَلْفَرْدِيَّةِ اَلَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا اَلْقُرْآنُ اَلْكَرِيمُ. اَلْلَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَخْلُقْنَا لِـنَكُونَ أَجْزَاءً مُنْدَمِجَةً فِي فَرِيقٍ يَشْفَعُ لَنَا يَوْمَ اَلْحِسَابِ، بَلْ خَلَقَنَا لِـنَقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ كُلاًّ عَلَى حِدَةٍ.

هَذَا اَلْمَعْنَى اَلْجَلِيلُ هُوَ اَلْحِصْنُ اَلْأَوَّلُ ضِدَّ اَلْحِزْبِيَّةِ وَاَلْعَصَبِيَّةِ، حَيْثُ يَقُولُ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُخَاطِباً كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا:

{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَرْدًا} (سُورَةُ مَرْيَمَ: 95) قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فَرْدًا" أَيْ وَاحِدًا لَا نَاصِرَ لَهُ وَلَا مَالَ مَعَهُ يَنْفَعُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: "{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اَللَّهَ بِـقَلْبٍ سَلِيمٍ}" فَلَا يَنْفَعُهُ إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ. اَلْإِشَارَةُ إِلَى "فَرْدًا" تَلْغِي كُلَّ حِمَايَةٍ مُنْتَمَاةٍ لِـغَيْرِ اَللَّهِ.

{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} (سُورَةُ اَلْأَنْعَامِ: 94) هَذِهِ اَلْآيَةُ تَضَعُكَ فِي صُورَةِ اَلْعَوْدَةِ إِلَى اَلْبِدَايَةِ اَلْأُولَى؛ لَا مَالٌ، لَا جَاهٌ، وَلَا حِزْبٌ. فَقَطْ اَلْنَّفْسُ اَلْعَارِيَةُ لِـتُوَاجِهَ سُؤَالَ: "مَاذَا قَدَّمْتَ لِـنَفْسِكَ؟ هَلْ زَكَّيْتَهَا؟" لِذَا، اَلْوَاجِبُ اَلْأَعْظَمُ لَيْسَ اَلتَّحْزُبَ بَلِ اَلْإِصْلَاحَ اَلذَّاتِيَّ.

إِنَّ اَلْفَرْدِيَّةَ فِي اَلْحِسَابِ هِيَ اَلْقَاعِدَةُ، حَتَّى فِي أَعْظَمِ اَلْمَوَاقِفِ:

دَلَالَةُ "نَفْسِي نَفْسِي" (حَدِيثُ اَلْشَّفَاعَةِ اَلْكُبْرَى - صَحِيحُ اَلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ): لَقَدْ جَاءَتْ عِبَارَةُ "نَفْسِي نَفْسِي" فِي سِيَاقٍ يَجْعَلُهَا أَشَدَّ اَلْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِ اَلِانْشِغَالِ بِـاَلذَّاتِ. عِنْدَمَا يَشْتَدُّ اَلْهَوْلُ بِـاَلْخَلَائِقِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، يَأْتُونَ اَلْأَنْبِيَاءَ وَاَلْرُّسُلَ -عَلَيْهِمُ اَلْسَّلَامُ- فَيَعْتَذِرُ كُلٌّ مِنْهُمْ عَنْ هَذَا اَلْمَقَامِ اَلْعَظِيمِ، وَيَقُولُ: "... وَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ اَلْأَنْبِيَاءِ فِي ذَلِكَ اَلْيَوْمِ اَلْعَصِيبِ: نَفْسِي نَفْسِي..." إِلَّا سَيِّدَنَا مُحَمَّدَاً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اَلَّذِي يَقُولُ: "أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ...". إِنَّ تِكْرَارَ هَذِهِ اَلْكَلِمَةِ مِنْ أَعْظَمِ اَلْخَلْقِ يُعْطِينَا دَرْسَاً قَاسِيَاً: اَلْنَّفْسُ مَحَلُّ اَلْمُحَاسَبَةِ، وَاَلْفَرْدِيَّةُ هِيَ اَلْقَاعِدَةُ اَلَّتِي تُلْزِمُنَا بِـمُجَاهَدَةِ اَلْنَّفْسِ اَلْأَمَّارَةِ بِـاَلْسُّوءِ فِي اَلْدُّنْيَا.

أَهَمِّيَّةُ اَلْتَّوْحِيدِ كَـخَاتِمَةٍ (صَحِيحُ مُسْلِمٍ وَأَبُو دَاوُدَ): إِنَّ هَذَا اَلْجِهَادَ يَهْدُفُ إِلَى اَلِاسْتِقَامَةِ عَلَى اَلْأَرْكَانِ وَحُسْنِ اَلْخَاتِمَةِ:

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَن ماتَ وهو يَعْلَمُ أنَّه لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ.» (صَحِيحُ مُسْلِمٍ).

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ اَلْجَنَّةَ» (لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ). اَلْمَقْصُودُ لَيْسَ اَلْقَوْلَ بِـاَلْلِّسَانِ فَقَطْ، بَلِ اَلْقَوْلَ بِيَقِينٍ وَعَمَلٍ بِمُقْتَضَاهَا (اَلِاسْتِقَامَةُ عَلَى اَلْفُرُوضِ وَتَرْكُ اَلْمَظَالِمِ)، وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِـتَزْكِيَةِ اَلْنَّفْسِ.


فَلْتَرْحَمُوا عُقُولَ اَلْنَّاشِئَةِ  

إِنَّ مِمَّا يُؤْلِمُ اَلْقَلْبَ وَيَزِيدُ اَلْنَّفْسَ اِضْطِرَابَاً أَنْ نَرَى اَلْيَوْمَ وَفِي زَمَنِ اَلْسَّرَابِ هَذَا بِـاَلذَّاتِ اِنْتِشَارَ فَوْضَى اَلْأَحْكَامِ اَلْشَّرْعِيَّةِ فِي مَنَصَّاتِ اَلتَّوَاصُلِ. فَبَيْنَمَا كَانَ اَلْحُكْمُ بِـاَلْتَّكْفِيرِ مَحْجُوزَاً لِـأَعْمَقِ عُلَمَاءِ اَلْأُمَّةِ، نَجِدُ اَلْآنَ مَنْ لَيْسَ لَهُ بَاعٌ فِي اَلْعُلُومِ يَعْتَلِي مَنَصَّةً لِـيَبْدَأَ بِـاَلْطَّعْنِ وَاَلْقَذْفِ فِي مُسْلِمِينَ بَسِيطِينَ.

 يَتَحَوَّلُ اِخْتِلَافٌ فِي مَسْأَلَةٍ إِلَى حُكْمٍ قَاطِعٍ بِـ: "هَذَا كَافِرٌ، هَذَا فَاسِقٌ، هَذَا مُرْتَدٌّ!".

لِـأَجْلِ حِمَايَةِ هَذِهِ اَلْنُّفُوسِ مِنْ اَلْغُلُوِّ، يَجِبُ اَلْعَوْدَةُ لِـقَوَاعِدِ اَلِاحْتِرَازِ اَلْعَقَائِدِيِّ اَلَّتِي وَضَعَهَا أَئِمَّةُ اَلْأُمَّةِ:

قَالَ اِبْنُ اَلْقَيِّمِ فِي "إِعْلَامِ اَلْمُوَقِّعِينَ": "مِنَ اَلْكَبَائِرِ تَكْفِيرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ".

اَلْحُكْمُ بِـاَلْتَّكْفِيرِ وَاَلْتَّفْسِيقِ لَيْسَ إِلَيْنَا، بَلْ هُوَ إِلَى اَللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... فَـلَا يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ إِلَّا مَنْ دَلَّ اَلْكِتَابُ وَاَلْسُّنَّةُ عَلَى كُفْرِهِ أَوْ فِسْقِهِ".

تَذَكَّرْ دَائِمَاً: اَلْجِهَادُ اَلْأَكْبَرُ هُوَ أَنْ تَتَعَلَّمَ كَيْفَ تُزَكِّي نَفْسَكَ وَحْدَهَا فِي وَجْهِ سَرَابِ اَلْعَصْرِ اَلْمُشَتِّتِ. فَلْتَرْحَمْ عَقْلَكَ وَرُوحَكَ مِنَ اَلْجَدَلِ اَلْعَقِيمِ، وَلِـتَكُنْ اَلْوُسْطِيَّةُ هِيَ دِرْعُكَ اَلْحَصِينُ.

مَنْ يَدْفَعُ اَلْضَّرِيبَةَ اَلْأَخِيرَةَ؟ اِضْطِرَابُ اَلْنَّفْسِ اَلْنَّاشِئَةِ

إِنَّ أَفْدَحَ ضَرِيبَةٍ لِـهَذِهِ اَلْمُهَاتَرَاتِ اَلْعَقَائِدِيَّةِ اَلْمُتَضَخِّمَةِ عَلَى مَنَصَّاتِ اَلتَّوَاصُلِ لَا يَدْفَعُهَا أَصْحَابُ اَلْجَدَلِ، بَلْ يَدْفَعُهَا اَلْجِيلُ اَلْنَّاشِئُ وَشَبَابُ اَلْأُمَّةِ اَلْبَسِيطُ.

 هَؤُلَاءِ اَلْفِئَةُ اَلَّتِي لَيْسَ لَهَا بَاعٌ فِي اَلْعِلْمِ وَلَا فِي اَلْجَدَلِ – تُصْبِحُ نَفْسِيَّتُهَا مَكْتَظَّةً بِـاَلْاِضْطِرَابِ اَلْعَقْلِيِّ وَاَلْنَّفْسِيِّ. لَقَدْ تَرَسَّخَتْ فِي دَاخِلِهِمْ تِسَاؤُلَاتٌ وُجُودِيَّةٌ مُرْعِبَةٌ: هَلْ أَنَا عَلَى اَلْحَقِّ أَمْ عَلَى اَلْغَلَطِ؟ هَلْ سَأَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ أَمْ سَأَكُونُ مِنَ اَلْهَالِكِينَ؟ هَذَا اَلْقَلَقُ اَلْعَقَائِدِيُّ يُشَلُّ حَيَاتَهُمُ اَلِاجْتِمَاعِيَّةَ، وَيُبْعِدُهُمْ عَنْ جَوْهَرِ اَلْعَمَلِ اَلْصَّالِحِ وَتَزْكِيَةِ اَلْنَّفْسِ.

وَإِنَّ مَا يَزْدَادُ بِهِ اَلْطِّينُ بِلَّةً هُوَ أَنَّ هَذَا اَلْمَشْهَدَ اَلْمُؤْلِمَ يَرَاهُ اَلْمُلْحِدُ وَاَلْمُتَرَدِّدُ فِي إِيمَانِهِ، فَيَرَى مُسْلِمِينَ يَدَّعُونَ اَلْعَوْدَةَ لِـ"قَالَ اَللَّهُ وَقَالَ رَسُولُهُ" ثُمَّ يَتَقَاذَفُونَ بِـأَقْبَحِ اَلْأَلْفَاظِ (كَـاَلْكُفْرِ وَاَلْفِسْقِ)، بَلْ وَيَصِلُ اَلْحَالُ بِـبَعْضِ مُتَعَلِّمِي اَلْحُرُوفِ إِلَى اَلْطَّعْنِ فِي أَئِمَّةِ اَلْمُسْلِمِينَ اَلْكِبَارِ كَـاَلْإِمَامِ اَلْنَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَاَلْحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِـاَلْكُفْرِ!

إِنَّ هَذَا اَلْمَشْهَدَ اَلْمُفْزِعَ لَنْ يَدْفَعَ شَخْصَاً غَيْرَ مُسْلِمٍ لِـاِعْتِنَاقِ اَلْإِسْلَامِ، بَلْ سَيُثَبِّتُهُ فِي حَالَةِ اَلْإِلْحَادِ وَاَلْاِنْسِحَابِ اَلْكَامِلِ. لِذَلِكَ، فَـاَلْأَجْدَرُ وَاَلْأَوْجَبُ عَلَيْنَا هُوَ تَرْكُ هَذِهِ اَلْمُعْضِلَاتِ اَلْكُبْرَى لِـأَهْلِ اَلِاخْتِصَاصِ وَاَلْعُلَمَاءِ اَلْرَّاسِخِينَ اَلَّذِينَ يَعْرِفُونَ قَوَاعِدَ اَلْتَّكْفِيرِ وَمَوَانِعَهُ وَاَلِانْشِغَالُ بِـجِهَادِنَا اَلْأَكْبَرِ: تَزْكِيَةِ اَلْنَّفْسِ، وَإِقَامَةِ اَلْأَرْكَانِ، وَحِفْظِ اَلْأَلْسُنِ مِنْ أَنْ تَقُولَ عَلَى اَللَّهِ وَدِينِهِ بِمَا لَا تَعْلَمُ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.