عصرنا الحاضر و العولمة على النفس البشرية
لقد أصبح عصرنا الحاضر ساحة تتشابك فيها خيوط الإشارات والضوء، ولم يعد السر مكانا آمنا يتوارى فيه المرء، بل غدا كغمامة تتبدد مع أول نسيم عابر. كنا نظن أن الخفاء ملاذ آمن للأنفاس والخصوصية، فإذا بالعيون الرقمية تقتحم المدى من غير استئذان، وتنقر على أبواب الحياة كبندول ساعة معلقة فوق الرؤوس، ترصد الحركات والسكنات. لا تكاد تمضي ساعة واحدة حتى تلتقط صورك دون شعور منك، ويسجل كلامك كأن الهواء قد نسخ ذبذباته في ذاكرة إلكترونية عملاقة لا تنسى، لتتشتت تفاصيل حياتك قطرة قطرة في فضاء سيبراني واسع لا تراه، وتتحول في نهاية المطاف إلى سجلات رقمية تحكي قصة وجودك وأنت في غفلة تامة عنها.
وفي وسط هذا العالم المتشابك المكتظ بأجهزة الرصد، ينبض في الصدر سؤال وجودي لا يسكت: لماذا يرتاب الإنسان في أن يعلم الله سره وعلانيته؟ ولماذا ينكر بعضهم أن كل نبضة قلب وكل خطوة تخطوها القدم تحفظ في كتاب مبين لا يضل ولا يضيع منه شيء؟ إننا ننسى في غمرة الماديات حقيقة الوجود الكبرى، وهي أن الخالق جل وعلا هو الذي أحصى كل ذرة في هذا الكون الفسيح، فما أعظم وأعدل أن يكون عليما بأحوال عباده! لو أن آلة بشرية صنعتها يد الإنسان قدرت على رصد حركة نملة صغيرة في أعماق غابة مظلمة، أفلا يكون الخالق سبحانه أحرى وأولى بأن يعلم أحوال البشر الذين صاغهم من تراب؟ وهو الذي أحكم التدبير والتقدير في كل شيء، فكيف لا يعلم الخواطر والضمير من هو خالقه وبارئه؟
إن الخوف من انتهاك الخصوصية في العالم الرقمي يعد خوفا مبررا تقتضيه الفطرة، لكنه يختلف اختلافا جذريا وعميقا عن خوف الإنسان من رقابة ربه. فالخوف من الآخرين ينشأ من خشية استغلالهم للعيوب، ومن قلق التعرض لأسوأ الافتراءات والمكائد البشرية، أما خوف المؤمن من رقابة خالقه فهو خوف مخلص سام، ينبع من حب العدل والرغبة في الاستحقاق والكمال؛ لأن من يستشعر أن الله يراه لا يخشى سوى الوقوع في الخلل والزلل، فيتحول الخوف عنده إلى طاقة إيجابية تدفعه نحو التصحيح والتزكية المستمرة.
وإذا كنا نعيش في قلق دائم من مراقبة الآلات والأعداء، فإن ذلك يسجننا في دائرة ضيقة من الحرمان وسلب الحرية، أما إذا رسخ في روعنا أن كل شيء مكتوب عند الله بعلم وحكمة، فإن هذا ينشئ في البناء الداخلي موقفا فريدا، ليس موقفه الخنوع المجرد والاستسلام، بل موقف الاستعداد للمحاسبة بالحسنى، فالمؤمن لا يعمل خشية العقوبة فحسب، بل يطمح أن يسطر اسمه في سجل المحسنين.
وهنا يفترق الناس إلى مسارين في مواجهة هذه الحقيقة:
مسار أول يرى في العلم الإلهي سببا للإحباط والتقاعس فيقول إن كل شيء مكتوب فلم المحاولة، وهذا فكر يائس لا يفقه معنى القدر ولا حكمة الاستطاعة
ومسار ثان يرى في هذا العلم دافعا عظيما للتحسين والترقي فيقول إن كل شيء مكتوب فلأجعل أعمالي مما يسر ربي، وهذا هو الإيمان الحي الذي يزاوج بين العمل والأمل، مصداقا لقوله تعالى: واعلموا ان الله يعلم ما في انفسكم فاحذروه واعلموا ان الله غفور حليم.
بيد أن هذا الجهد المبذول في فهم النفس وحرية الكسب الأخلاقي لا يمكن أن يكتمل في واقعنا المعاصر دون تشخيص دقيق للمؤثرات الخارجية اليومية التي تهدد كينونة الإنسان المجاهد، حيث ظهرت في العصر الحديث فتنتا المال والتكنولوجيا، تعملان بشكل متواز لتحويل الإنسان من كائن ذي غاية أسمى إلى مجرد كائن تسيره حاجات مادية متجددة لا تنتهي. فالمال الذي هو في الأصل وسيلة للعيش الكريم وإعمار الأرض، استحال عند الكثيرين هدفا أقصى للوجود، مما فجر خطرا نفسيا بالغا؛ فعندما يصبح المال مقياسا وحيدا للقيمة الذاتية وللأنا، يتحول السعي وراءه إلى هلع مزمن وتوتر دائم لتأمين تلك القيمة الزائفة، فيتحرك المرء بدافع من نفسه الأمارة بالسوء، ويغدو عمله كله سباقا كميا محضا يفتقر إلى الجودة والقيمة، ويحدث انفصام بين جوهر الإنسان والإنفاق الخيري، فتبدو الوجوه كالحة برغم ضخامة الأرصدة.
وتتكامل هذه الفتنة مع فتنة التكنولوجيا التي زينت الهوى ووفرت الرفاهية السطحية، لكنها على الصعيد الباطني تعمل كمحرك جبار للشهوات والآثام، إذ تقوم بمكافأة الإنسان فوريا على أفعاله البسيطة عبر الإعجابات والتفاعلات الرقمية، مما يبرمج النفس على رفض الجهد الطويل والمثابرة اللازمة للإصلاح الحقيقي، بل إنها تقدم المحرم في قالب مزين يلغي بالتدريج دور النفس اللوامة التي تستيقظ عند الخطأ، ليصبح الإثم مألوفا، ويتحول الكسب الأخلاقي الحر للعبد إلى انقياد مباشر للفجور من دون جهاد يذكر.
إن جميع هذه العقد والقلق النفسي يتضخم ويتجذر بفعل هاتين الفتنتين الخارجيتين، مما يبرنز ضرورة وجود درع قيمي رصين؛ فإذا افتقرت المجتمعات إلى قانون بشري يضبط العلاقات ويرتب العقوبات، فلا يعني ذلك حتمية زوال القيم من النفوس أو غياب الإيمان، بل هو دليل على أن الإنسان يحتاج في سلوكه إلى إطار يذكره بعقابه ومكرمته.
ولتبيان هذا الأثر، لو تخيلنا مجتمعا تنزع فيه جميع القيود القانونية ليوم واحد، فإن هذه التجربة ستكشف عن أسرار القلوب وخبايا النفوس، إذ سيظهر في العلن من كان متأدبا وخاضعا لخوف المجتمع فقط، ومن يستغل انتفاء المنع ليحقق منفعته الخاصة في الخفاء، ومن هنا يتضح أن ما يكفه القانون الخارجي ليس دائما ما يشحذ القلب ويزكي النفس، بل يظهر الفرق الجوهري بين من ترسخت في أعماقه قيم دينية وأخلاقية أصيلة، وبين من يعتمد مجردا على خوف اللقطة ومنصفة السلطة الردعية.
ومن هنا يتجلى الدين في مصدره النقي، ليس بوصفه مجرد نظم وفرائض تنظم وقتا ومكانا محددا، بل كخريطة قيم حيوية تبني الضمير الإنساني وتشكل المجتمع من داخله، وحين تحضر هذه القيم في النفوس فإنها تغني عن الاعتماد الخالص على الرقابة الخارجية، لأن الإيمان يوجه الأفعال بمقياس أخلاقي ذاتي يجعل الإنسان يفكر في العواقب المتأخرة لأفعاله لا في خوف الاقتفاء اللحظي فحسب.
وإذا ضعفت هذه الروح الدينية وصارت القيود بشرية بحتة، تحولت المجتمعات إلى ميدان تسيره مصالح آنية وحسابات براغماتية ضيقة، لينتشر الغش والافتراء والعنف بسبب زوال ستار الخوف وغياب القيم الداخلية الكابحة لها.
وعلى الصعيد البيولوجي والجيني، فإن السؤال عن مدى انغراس القيم في طبيعتنا يظل سؤالا جذريا، إلا أن الدراسات والبحوث تشير إلى أن السلوكيات البشرية تتشكل بتلازم وثيق بين عوامل متعددة تشمل التربية، والبيئة، والمواريث البيولوجية، وأيا كانت طبيعة الجينات فإن التنشئة والنظم التي تغذي النفس تظل هي العامل الأساسي القابل للتوجيه والتصريف، فإذا رغبنا في بناء مجتمع آمن ومتسق فلا بد من مزج ذكي بين القواعد القانونية والتربية القيمية، فالقانون يضبط حافة السلوك الخارجي بينما يبني الدين الروح والوجدان، ليشكل شريكا حقيقيا في حماية المجتمع من الفوضى دون تطرف أو قمع للحريات.
إن الموقف العاقل في هذا العالم المراقب لا يدعو إلى الخوف والانكفاء بل هو دعوة للتوقد واليقظة في العمل، فالإنسان الحكيم لا يخشى أن يرى على حاله إذا كان يسير على هدى، بل يخشى الغفلة، ولنوقن دائما أن رحمة الله أوسع من أن تحددها سجلات الأعمال، فمن تاب وأصلح فتح لنفسه بابا عظيما من أبواب الرضا، ليكون العلم الإلهي في النهاية سبيلا للتكريم والتشريف لا للتضييق، وباعثا على الأمانة ومحاسبة الذات والتوكل على من لا يغيب عن علمه شيء في الأرض ولا في السماء.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.